بقلم: د.فهد بن منصور الدوسري - دكتوراه في الدعوة والإعلام
يوم 17 يناير 1991م كان يوما مختلفا في حياة الأمة، فقد أصبح الناس على حدث عظيم، سجله التاريخ بمداد من ذهب لخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، والشيخ جابر الأحمد الصباح، رحمه الله، وستتذكره الأجيال على مرّ الزمان، وكان انطلاق هذا الحدث نتيجة تلبية نداء من أمير الكويت الشيخ جابر لأخيه الملك فهد لتحرير البلاد من الغزو الغاشم، حيث كانت الاستجابة سريعة من لدن الملك فهد، رحمه الله، بانطلاق قوافل عسكرية، وكتائب بطولية من قوات التحالف المكونة من 34 دولة، دحرت المجرمين، وأنقذت أرواح الآمنين، وصان الله بها أرض الكويت العزيزة، وأوطان الخليج العربي.
رحم الله القائدين الشامخين.. عندما التقيا في الخامس من أغسطس 1990م في جدة، وبحثا في أسلوب التحرك إزاء العدوان على الكويت، وكان اجتماعا موفقا أعقبه دخول قوات عسكرية، حمى الله بها أهلنا في الكويت الحبيبة، وهبّت الأمة جمعاء، ودول العالم مؤيدة للقرار الشجاع، شاكرة حسن صنيع الملك فهد، وداعية له بالتوفيق والعون والسداد، وللشيخ جابر بتحرير بلده، واجتماع شمله بشعبه.
لا كبرت المشكلة والشر قام وقعد
ما تغرق الباخرة والفهد ربانها
لقد كانت نصرة الكويت تنطلق من مبدأ واجب النُصرة التي أمرنا الله بها في قوله عز وجل: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر)، فنصرة المسلمين واجبة لأنهم أمة واحدة، مهما تناءت ديارهم، وتباعدت أقطارهم، كما كانت اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في نصرته لقبيلة خزاعة، عندما استنصره عمرو بن سالم الخزاعي في جماعة من قومه، مفتتحا شكواه بأبيات من الشعر مؤثرة أنشدها أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمام أصحابه رضوان الله عليهم، يقول فيها:
يا رب إني ناشد محمدا
حلف أبينا وأبيه الأتلدا
هم بيتونا بالوتير هجدا
وقتلونا ركعا وسجدا
فادع عباد الله يأتوا مددا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا
رحم الله الملك فهد.. فإن قراره الشجاع بنصرة الكويت قد سطره التاريخ بجوار كلمات الخليفة عمر بن عبدالعزيز، عندما بلغه أن رجلا من المسلمين أسره الروم وأرغمه زعيمهم على ترك الإسلام، فغضب غضبا شديدا، وكتب الى الإمبراطور الروماني يقول فيه «من أمير المؤمنين الى ملك الروم، فقد بلغني ما فعلت بأسيرك فلان، وإني أقسم بالله العظيم إن لم ترسله من فورك لأبعثن اليك من الجند ما يكون أولهم عندك وآخرهم عندي»، فارتعدت فرائصه، وبعث بالرجل محملا بالهدايا.
رحم الله الملك فهد.. فقد استجاب لنداء أخيه حاكم الكويت وأمير القلوب، واحتضن شعبا كاملا، فتح لهم قلبه قبل ان يفتح حدود بلاده، وسترفع له الأكف على مر الزمان، وستلهج له الألسنة بالدعاء الخالص، وسيذكره الناس كلما جاء ذكر النداء الذي هب لأجله الخليفة المعتصم، حين علم أن امرأة مسلمة عربية جليلة اعتدي عليها بمدينة عمورية في أقصى الأرض، فصرخت قائلة «وامعتصماه»، فجهز لها الخليفة جيشا عظيما، وانطلق لدفع مظلمتها، وتأديب من اعتدى عليها، لم يلتفت لتحذير المخذلين، وغير آبه بأقوال المنجمين، ليحاصر عمورية حتى استسلمت فدخلها واتجه يبحث عن المرأة حتى أخرجها من سجنها، قائلا لها: «هل أجابك المعتصم؟ قالت: نعم»، فكان ذلك دافعا لأبي تمام بأن يستهل قصيدته بمدح الخليفة المعتصم بذكره للسيف خلافا لما هو مألوف من الشعراء بالوقوف على الأطلال فكانت تلك القصيدة الشامخة، المليئة بالمعاني والصور الفريدة:
السيف أصدق إنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
فتح الفتوح تعالى أن يحيط به
نظم من الشعر أو نثر من الخطب
فتح تفتح أبواب السماء له
وتبرز الأرض في أثوابها القشب
ليأتي الشعراء بعد صدور الأوامر بدخول قوات التحالف من أجل التحرير ليصدحوا بقصائدهم؛ فخرا واعتزازا بما فعله الملك فهد من انتصاره لأهله وإخوانه:
واستيقظ الشيخ جابر وانتخى واستعد
نخوة بطل هزت العارض وضلعانها
قال الكويت الحبيبة روحت يا فهد
ولا غيرك احد يبشرني بعقلانها
قال احتزم بي وأنا والله حزام السعد
لا قلت كلمة تشوف العين برهانها
رحم الله الملك فهد.. فإن وقفته البطولية كانت وقفة القائد الشجاع الذي أنقذ الله به دولة الكويت، وحمى به المملكة وأوطان الخليج، وواجه أطماع البعثيين بكل حزم وأنجى به الأمة جمعاء من عقوبة الخذلان لبلد مسلم كريم عزيز، فقد روي في الحديث «ما من امرئ يخذل امرأ مسلما عند موطن تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله عزّ وجلّ في موطن يحب فيه نصرته...».
رحم الله الملك فهد.. فقد عرف العالم اجمع بقوة وبأس رجال قواتنا الميامين وهم يقومون بمسؤولياتهم في عاصفة الصحراء بكفاءة قلّ نظيرها، ومهارة عالية ابهرت العالم، عندما وقفوا ثابتين لا تعصف بهم ريح، ولا يحطمهم موج، يذودون عن وطنهم الثاني، كويت المحبة، بلد الشموخ، وطن السلام، وقفوا يدافعون عن الدين والأهل والعرض والأرض، كما كانوا يدافعون عن بلد الحرمين، مهبط الوحي ومنبع الرسالة، وقبلة المسلمين، ولسان حالهم يردد:
هي مهبط القرآن تحت لوائه
سارت بعون الله تجتاز المحن
نشأت على هدي الإله فروحها
تسمو بها وبروحها يسمو البدن
رحمك الله يا خادم الحرمين... فلا يمكن ان تنسى الكويت الجهود البارزة التي بذلتها ما قبل الغزو، وخلاله، وما بعد التحرير، وكانت مقولتك الشهيرة التي رددتها الأجيال (الكويت والسعودية بلد واحد.. نعيش سوا أو نموت سوا) خير دليل على مدى حبك الكبير للكويت، كوطن معطاء، وقيادة سامية، وشعب كريم.
هذي كويت الثقافة والرخا والرغد... اللي رمينا عمايمنا على شانها
رحم الله الشيخ جابر الذي كان واثقا بأن كل الأعمال الخيرة التي قدمتها الكويت سيكون لها الأثر الكبير في وقاية البلاد من صواديف الزمان، فقال مقولته المشهورة (والله ما حررت الكويت الجيوش الأميركية أو الجيوش البريطانية وغيرها من الجيوش، رغم كل الجهد المبذول، ولكن الذي حررها هو دعاء امرأة عجوز في بوركينا او في بنين او في كينيا، رفعت يديها للسماء ففتحت ابواب السماء لها).
رحم الله الشيخ جابر... فقد كان ثابتا الجنان، رابط الجأش، رغم هول الصدمة وعظيم الخطب، بقي ثابتا كالطود العظيم، يسعى لعقد المؤتمرات، وحضور الاجتماعات، فتم عقد مؤتمر القمة العربية بمصر في 10 أغسطس 1990، ومؤتمر القمة الاسلامي الذي عقد في مكة المكرمة، واجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها 45 وقام بالاجتماع مع الدول الخمسة الدائمة العضوية وعدد من الدول الصديقة لشرح قضية الكويت، وخطب بالشعب الكويتي يحثهم على المقاومة لتحرير الكويت، وكان يطالب الشعب الكويتي في الكويت بالصمود في وجه الجيش العراقي وكانت الخطبة في يوم 3 أغسطس 1990.
الله يرحمك يا جابر ويرحم سعد
ويعز أمير البلد ويذل عدوانها
لعل عين ما هيب تحبها للرمد
درة شعوب الخليج وقرة اعيانها
هذي كويت الثقافة والرخا والرغد
اللي رمينا عمايمنا على شانها
رحم الله الشيخ جابر... فقد انتهج سياسة حكيمة متزنة، اجبرت العالم على التعاطف مع الكويت ضد الغزو العراقي، حتى الاتحاد السوفييتي الذي كان يعد حليفا للعراق وكان مرتبطا باتفاقية تعاون وصداقة معه تعاطف مع الكويت.
رحم الله الفهد ملك العزم والجابر أمير الثبات.. يوم حسما امرهما، ومضيا الى سبيلهما، واثقين بنصر مولاهم، ممتشقين سلاح الحق، غير آبهين بالمرجفين ولا ملتفتين للحاسدين والحاقدين، انطلقا ثابتي الجنان، واثقي الخطوة، انطلقا ولسان حال احدهما يردد...
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة
فإن فساد الرأي ان تترددا