بقلم: حنان بدر الرومي
[email protected]
تمضي السنوات مسرعة.. جيل يسلم الأمانة للجيل الذي يليه.. أصبحوا ماضيا، كما أصبح الحاضر حاضرا، أما المستقبل فبعلم الغيب.. لكن يظل لكل زمان أهله وحكاياتهم التي نسجوها.. منها ما كانت البسمة عنوانه وأخرى صاحبت الألم وبعضها عزفت بألحان المشاعر الإنسانية المتنوعة.
سلسلة جديدة من «الحزاوي» ستأخذنا أحيانا للزمن الماضي بكل عبقه الجميل، كما ستحط بنا الرحال في وقتنا الحاضر لنروي حكايات أشخاص حقيقيين ومن جنسيات متعددة، منهم من رواها لي بنفسه والبعض الآخر وصلني من المقربين منهم أو ممن عاصروهم.. حكايات متنوعة نستقي منها العبر والدروس التي لا تحصى.. وتظل الدنيا حكاية.
وضعت سناء كوب الشاي على المغسلة وأسرعت بالخروج من المطبخ.. عليها أن تستعجل بالعودة لعملها لقد تأخرت خمس دقائق كاملة.. اندمجت بالأحاديث المرحة مع زميلاتها وأهملت متابعة الوقت وتناست ان العمل في البنك لا يغفر التأخير وبالذات لمن في موقع خدمة العملاء مباشرة.. بخطوات رشيقة عجولة نزلت من الدرج للدور الأسفل وهي تدعو الله ألا ينتبه لها المدير.. شاهدت المدير يتحدث مع أحد المراجعين.
أخذت تحاور نفسها: حسنا يبدو انه مشغول ولم ينتبه للوقت.. علي التصرف بهدوء حتى لا ألفت انتباهه.
قطعت القاعة المصرفية بتمهل ظاهري وقلبها يدق بقوة.. عبرت الباب الخشبي الصغير.. اقتربت من مكتبها ورفعت بعض الأوراق لقراءتها.. سمعت صوت المدير يناديها التفتت نحوه وبنبرة رصينة قالت: خير استاذ.
المدير بلهجة الأمر: سناء بسرعة اليوم يوم الذروة.
بحركة سريعة تجلس سناء في مكانها المعتاد وتفتح الكمبيوتر هي تقول: حاضر استاذ.
٭ ٭ ٭
الساعة تقترب من الثانية ظهرا والعمل على أشده فبداية الشهر تعني الضغط دائما لموظفي البنوك.. رن جرس شاشة الأرقام وظهر رقم العميل ورقم الكاونتر.. اقتربت امرأة في أوائل الخمسين من العمر وقفت بغرور وهي تعدل من غطاء رأسها الدانتيل الأسود.. رسمت سناء ابتسامة باردة على وجهها وسألت العميلة عن طلبها.
العميلة: عندي شيك أريد أن أسحبه.
سناء: حسنا ناوليني الشيك.
تفتح المرأة حقيبتها الجلدية السوداء وتخرج الشيك وتعطيه لسناء.. تقرأ سناء الشيك تدخل المعلومات في جهاز الكمبيوتر.. تتابع بعينها المعلومات الواضحة على الشاشة.. تقوم بجميع الاجراءات المطلوبة لهذه الحالة.
سناء بلهجة الناصح: سيدتي لدينا خدمات خاصة للعملاء الجدد وجوائز وسحوبات على سيارات فهل تقبلين أن أفتح لك حسابا في البنك وأودع به المبلغ الموجود بالشيك
العميلة: لا.. أريد استلام المبلغ كاملا.
تجتهد سناء لاقناع العميلة بفتح حساب في البنك ولكن جميع محاولاتها تبوء بالفشل.. يرتفع صوت العميلة بغضب واضح فتصرخ بانفعال: لماذا اضاعة الوقت لم أطلب فتح حساب في البنك.. أريد مالي الآن.
تشعر سناء بالغيظ ولكن عليها تمالك أعصابها ويتوجب عليها احتواء غضب العميلة ورسم الابتسامة على وجهها.. تطلب من العميلة الجلوس حتى تنتهي من تجهيز المبلغ.. يمر ربع ساعة تثور ثائرة العميلة وتوجه مدفع الاتهامات بعنف للبنك وموظفيه.. يحضر المدير ويجتهد لتهدئتها.. يطمئنها بأن جميع الاجراءات في حيز التنفيذ وخلال عشر دقائق ستستلم المبلغ.. تجلس العميلة وهي تحدق بسناء وتتمتم بكلمات غير واضحة.
٭ ٭ ٭
تنادي سناء العميلة وتطلب منها التوقيع على الأوراق ثم تسلمها ظرفين ثقيلين.. تمسك العميلة الظرفين بسعادة.. ترفعهما بكلتا يديها وتستشعر ثقل الوزن.
العميلة بسعادة: ما أثقلهما.. لم أتوقع أن مبلغ ألف وخمسمائة دينار بهذا الثقل.
تجحظ عينا سناء.. تقف بسرعة.. تمسك الشيك وتعيد قراءته.. تتفاجأ بالرقم المكتوب على الشيك.
ترتسم تعابير الذهول على وجه سناء وبصوت قلق: أعطيني الظرف.. يبدو أن هناك خطأ بالحساب.
تمسك العميلة الظرفين بكلتا يديها وتحتضنهما بقوة: نقودي ولماذا أعطيك اياها؟
تتجهم ملامح سناء وقد بلغ التوتر مبلغه.. تقوم مسرعة من مكانها.. تسرع العميلة نحو بوابة الخروج.. تركض سناء نحوها وتمسك كتفها بقوة وهي تقول بذعر حقيقي: أعطيني النقود.. لقد أخطأت بالحساب.. يجب أن يعود المال للبنك.
تدفع المرأة سناء بقوة فتسقط على الأرض ولكنها تتشبث بقدمي المرأة.. يعلو صوت الاثنتين.
٭ ٭ ٭
ينظر المدير بحيرة للعميلة الجالسة أمامه وهي تضم الظرفين لصدرها بقوة ويقول: سيدتي لا يجوز لك أخذ هذا المال.
بحنق شديد ترد العميلة: لا يجوز.. لماذا؟ تحول نظرها نحو سناء الجالسة وتقول بشماتة: موظفتكم أعطتني 150 ألف دينار مع ان الشيك مسجل عليه بالأرقام وبالكتابة اللغوية ألف وخمسمائة دينار فقط لا غير - تهز العميلة كتفها وبمنتهى الوقاحة تقول - الخطأ عليها وأنا أتنازل.. مستحيل.
يحدق المدير بحدة: وهل يرضيك أن يخصم المبلغ من راتب المسكينة؟
العميلة: رزق أصبح في يدي وأفرط به.. دعها تتحمل خطأها.
تنتفض سناء من مكانها بدت كالمصعوقة وكأنها لم تتوقع ما حدث اطلاقا: «حسبي الله ونعم الوكيل.. حسبي الله ونعم الوكيل.. اللهم لا تهنيها بالمال».
أطلقت العميلة ضحكات الشماتة ووقفت وباستهزاء: مع السلامة.
خرجت من غرفة المدير واتجهت للباب الخارجي.. غادرت البنك وهي لاتزال تحتضن الظرفين.. أعين جميع من في البنك تحدق بها بوجوم واضح.
غمغمت سناء باستسلام واضح حزين: حسبي الله ونعم الوكيل.
٭ ٭ ٭
مر الوقت ثقيلا على سناء وأهلها.. عقلها الشاب مليء بالتساؤلات: ماذا سيحدث بعد ذلك وكم هو المبلغ الذي سيخصم منها وكيف ستدبر أمورها؟ انها من عائلة متوسطة الحال يعتمد والداها في معيشتهما على رواتبهما.. رفع مديرها الموضوع للجهات العليا في البنك وتم تحويل سناء للتحقيق.. ذهب والدها معها يوم التحقيق لدعمها كانت يده القوية التي تمسكها تقوي من عزيمتها للمواجهة الحاسمة والتي سيتوقف عليها مستقبلها.. اعترفت في التحقيق بأنها لا تعرف كيف اخطأت بقراءة المبلغ المكتوب على الشيك بالرغم من متابعتها الدقيقة لكل ما ورد في الشيك وحرصها على اعادة القراءة أكثر من مرة.
بيد مرتجفة أمسكت سناء الورقة التي تحمل قرارها.. أخذت تنظر حولها بعينين زائغتين وكأن الزمن توقف حولها كانت تحدث نفسها بألم: هذا مستحيل.. لا يمكن.. كيف يحدث ذلك؟
كان القرار تحويلها للعمل في فرع البنك في منطقة غرناطة وخصم أكثر من ثلثي الراتب شهريا حتى سداد المبلغ. شعرت سناء بالضياع الحقيقي فلقد انهارت أحلامها في لحظة واحدة.
٭ ٭ ٭
بلغ التوتر مبلغه بسناء كيف ستدبر معيشتها؟ فالبنك سيخصم ثلثي الراتب وهناك قسط السيارة ولن يتبقى لها من الراتب سوى 140 دينارا.. يا للكابوس الثقيل الذي يجثم على صدرها.. انها لا تريد أن تكون عبئا على والديها فهما يخططان لبناء شقتين في المنزل لأخويها تمهيدا لتزويجهما.. ظلت تتساءل.. كيف والى متى؟؟؟؟
لملمت شتات نفسها المضطربة وسألت والدها بصوت مرتجف: أبي.. ماذا سيحدث لي؟
كان والدها الحنون يهدئ من روعها دائما بقوله: يا ابنتي ان للبلاء أبواب فرج خفية فثقي بالله.
٭ ٭ ٭
في آخر يوم لها في مكان عملها الأصلي أبلغها مديرها بأبوة لمستها بكل حرف نطقه بأن تحويلها للتحقيق وقرار اللجنة قد تم بسرية تامة ولم يتم اخطار مركز عملها الجديد بأي شيء عن موضوعها ويمكنها أن تمارس عملها هناك بعزة نفس.
تبين لسناء حجم الأزمة المالية التي تعيشها منذ أول شهرين فبنزين السيارة يستهلك أكثر من ستين دينارا ومشاويرها مع صديقاتها تلتهم ما تبقى من الراتب مما يضطرها لطلب المال من والديها وأخواتها.. احتارت كثيرا وأدارت الموضوع في ذهنها وقررت اعادة تنظيم مصروفاتها.. توصلت لمجموعة من القرارات فاستهلاك البنزين يجب أن يقتصر على طريق الدوام فقط ومن بيتها في منطقة بيان حتى غرناطة ولمدة خمسة أيام في الأسبوع سيكلفها حوالي 35 دينارا وبعدها تتوقف السيارة عند باب البيت حتى اليوم التالي.. كما يتوجب عليها الامتناع عن المساهمة المالية للافطار مع موظفات القسم بحجة اتباع حمية غذائية واستبدالها بالسندويشات والسلطة أو الحلو والتي تقوم بتجهيزها في المنزل.. قللت سناء من الخروج مع صديقاتها وان اضطرت تطلب من احداهن المرور عليها بسيارتها بحجة أن والدها يرفض عودتها وحيدة في وقت متأخر.. كما تكتفي في المطاعم والكافيتريات بشرب الشاي أو القهوة فقط. اعتذرت عن دعوات الزفاف بحجج مختلفة فالمبالغ التي ستصرف للاستعداد للحفل لا تتحملها ميزانيتها.
٭ ٭ ٭
سمحت شقيقتا سناء بمشاركتها لهما بالملابس والشنط.. حرصت على دمج الألوان والموديلات لتظهر بمظهر لائق أمام الجميع.. كما توقفت تماما عن زيارة صالونات التجميل وبدأت بالاطلاع على طرق الاهتمام بالشعر والجسم.. تفننت في ابتكار خلطات للشعر والجسم لها ولوالدتها وشقيقاتها.. أحبت دخول المطبخ وأبدعت في اعداد السندويشات وغيرها من الأطباق المالحة من المطبخ الكويتي والعالمي بالاضافة للحلويات وأصناف الكيك.. لم تكن تشتري شيئا من مكونات الأطباق التي تقوم باعدادها بل كان والداها هما من يقومان بتموين البيت دائما.
لم يعد لسناء وقت للفراغ فهي منشغلة دائما بالطبخ أو اعداد خلطات الشعر والجسم وتجربتها.. كان انتاجها المطبخي يلقى رواجا بين اسرتها وأهلها خلال الزيارة الأسبوعية مما عزز ثقتها وأعاد رسم الابتسامة على وجهها.
شجعها الجميع على فتح مشروع خاص بها من المنزل.. فأسست لها موقعين بالانستغرام أحدهما لخلطات الشعر والجسم أما الآخر فلبيع بعض الأطباق.
٭ ٭ ٭
تم اعلان خطبة شقيقتها الكبرى.. وانغمس أهل البيت بتجهيز العروس والاعداد لحفلة الزفاف والتي ستقام في احد الأوتيلات.. قبل الحفل بفترة وجيزة انتبه الجميع إلى أن سناء لم تستعد للحفل ولم تشر أبدا لذلك.
سألتها والدتها برفق: هل ترغبين في مرافقة أختك عند دخولها للقاعة أم تفضلين الوقوف معي عند الكوشة.
سقط قلب سناء في أحشائها.. نظرت حولها بضياع حقيقي: أمي لن أحضر الحفل سأكون مع أختي عند تجهيزها ثم سأرجع للمنزل.
جلست الأم على الكنبة لشدة توترها: ولماذا يا ابنتي.. انه حفل اختك.
تنظر سناء للأرض بحرج شديد: لا أملك المال للظهور بصورة مناسبة في الحفل.
دفعت الأم لسناء مبلغ مائة وستين دينارا وأعطاها والدها مبلغ مائتي دينار وهو يقول: أعلم ان المبلغ قليل لحفلة كبيرة ولكن ثقي بالله.
شعرت سناء بأنها تملك ثروة كبيرة.. ان في يديها مبلغ ثلاثمائة وستين دينارا.. انها ثرية الآن.
٭ ٭ ٭
سمعت ان شقيقتها الأخرى ستتناول الغداء مع صديقاتها في أحد مطاعم مجمع الأفنيوز.. فاتفقت معها على أن تأخذها معها.. في اليوم المحدد أعدت سناء طعامها بعض السندويشات وسلطة فواكه كما أحضرت معها ثلاث قناني ماء.. شعرت الأخت بالخزي لذلك وطلبت من سناء ألا يشاهدها أحد.. مازحتها سناء بلطف.
المحلات كثيرة بالمجمع ولكن الأسعار مرتفعة جدا.. بعد صلاة المغرب رفعت سناء يديها وطلبت برجاء وثقة من الله أن يرزقها ما يتناسب مع ميزانيتها.. وجدت في أحد المحلات فستانا أحمر سادة راقيا وعليه خصم 80%.. أعجبها الفستان وأعجبها سعره.. طلبت منها البائعة احضار حذاء الحفلة لتقصير الفستان وأشارت لها لمحل قريب يجري تصفية لبضاعته.. هرعت له سناء وكلها رجاء.. اشترت حذاء جميلا وتبقى معها مبلغ مائة دينار.. الحمد لله سيكون هذا المبلغ لمصففة الشعر ولأخصائية التجميل يا لكرم الله.
٭ ٭ ٭
وقعت سناء عقدا مع أحد الصالونات المشهورة لتزويدهم ببعض خلطات الشعر والجسم وبمبلغ محترم.. كما اتفقت مع بعض الكافيتريات لتجهيزهم ببعض أنواع الكيك والسندويشات.. أصبح لديها العديد من الزبائن.. استقدم لها والداها مساعدتين وخصصا لها مطبخا خاصا بها.. بدأ دخلها بالتزايد ولكن التجربة المريرة التي عانتها جعلتها أكثر حرصا على التوفير والاحتياط للظروف.. مر أكثر من عامين على الحادثة.. بدأت سناء تشعر بالراحة فلقد تم تسديد جزء كبير من المبلغ.. مشاريعها ناجحة والطلبات تنهال عليها.. استأجرت مطبخا في أسواق القرين ويعمل تحت امرتها أكثر من عشرة طباخين.. والداها يتناوبان على المطبخ فترة دوامها ومشاريعها تؤمن لها دخلا اضافيا مرتفعا.
٭ ٭ ٭
في أحد الأيام استدعاها مدير البنك لغرفته.. عندما دخلت أشار المدير لامرأة جالسة على الكرسي وهو يقول: هذه هي سناء التي تسألين عنها.
قامت من مكانها واحتضنتها بقوة أفزعتها وهي تبكي وتتوسل: سامحيني أرجوك اغفري لي.
جاهدت سناء للتخلص من يدي المرأة ابتعدت قليلا: أسامحك على ماذا.. أنا لا أعرفك.
مسحت المرأة دموعها: أعرف أن ملامحي قد تغيرت ولكنني لا أظن أنك نسيتني.. أرجوك لقد بحثت عنك ولم يقبل أحد أن يرشدني لمكان عملك الحالي الا بعد أن أخبرتهم بحكايتي معك.
سناء بضيق: سيدتي أعتقد أنك مخطئة فأنا لا أعرفك.
المرأة بصوت حزين مستعطف: أنا صاحبة الشيك.. أنا التي أخذت المبلغ وتركتك لتواجهي العقوبات وحدك.
تصمت سناء لشدة الصدمة.. بعد هذه الفترة الطويلة تعود المرأة من جديد.. ملامحها قد تغيرت تماما أصبحت نحيلة، عيناها جامدتان، الأسى والحزن يكسو وجهها، انحنى ظهرها قليلا.
تتحدث المرأة عما أصابها منذ خروجها من البنك وكيف ان البركة نزعت من حياتها تماما والمصائب أصبحت تتوالى عليها حتى عجزت عن النوم.. كانت تكابر وتعاند ولكنها الآن على يقين بان جميع ما عانته هو بسبب هذا المال الذي أخذته.. أمسكت يد سناء ودموعها تنهمر وهي تقول: أرجوك سامحيني.. لا أريد شيئا فقط سامحيني.
صمتت سناء فعندما تعجز الكلمات يكون الصمت أبلغ فسبحان الله الحكم العدل.
النهاية