ندى أبو نصر
بحضور رئيسة البعثة اللبنانية في الكويت نسرين بوكرم وحشد غفير من أبناء الجالية اللبنانية والجاليات العربية وممثلي الطوائف المسيحية والإسلامية أقامت الرعية المارونية في كنيسة العائلة المقدسة الرسولية بالكويت أول من أمس صلاة لراحة نفس البطريرك اللبناني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير.
وترأس القداس الإلهي خادم الرعية المارونية في الكويت الأب ريمون عيد وخادم كنيسة الروم الملكيين للكاثوليك الأرشمندريت بطرس غريب وخادم رعية اللاتين العربية الأب كارلوس.
وخلال القداس ألقى الأب ريمون عيد كلمة قال فيها: ان البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير انطلق إلى بيت الرب شاهدا لمجد القيامة، واليوم بتذكار ميلادك مدخل المائة عام، شاء القدير أن دخلت الأخدار السماوية لتولد به في الحياة الخالدة، وسيدة الحصاد في عيدها اليوم أيضا، شاءت أن تحصدك من أرض الشقاء لتبذرك زرعا جيدا في مروج فردوس السماء، عرفتك عندما رافقتك في أوائل التسعينات، على مدى أربعة مواسم صيفية، كأمين سرك الخاص آنذاك، وكان شرفا لي أني اكتسبت منك الكثير من المزايا المشرفة التي تصقل الشخصية وتنميها وتغذي الروح وتحييها.
وأضاف عيد: سيدي اللقاء معك يستحوذه الأنس والرهبة في آن معا، ترفع بي إلى الأعلى على درج السمو والرقي، حيث رحابة المحبة وغيرة الأبوة وبساطة العلاقة وعميق الكلام، وإن تحدثت عنك تعرضت لجسامة مسؤولية، فإيفاؤك حقك مهمة صعبة بل ومستحيلة، فقد شاهدت فيك رجل الثبات، قاسي الملامح، لكن سرعان ما تتفتح فيك روح الفكاهة، وغزارة الابتسامة، وبسمتك تنبع من قلب مفعم بسلام داخلي وشفافية في الروح، عرفتك عن طريق الحضور الدائم في شتى حالاتك ومراحل شهادتك، لم تغب في أزمة، ولم تتعب من جهد.
وتابع: عرفتك بطريرك الكلمة المشرقة، كنزا من المعرفة هادئا وعميقا، كبئر تتجدد مياهها السرية في سكون دون جلبة، عرفت فيك رجل الدين والعلم والوطنية، رجل الفكر الغزير، والذاكرة التاريخية الموسوعة، إنك منهج، بلا شك، ومعلم يلقن تعاليم الكنيسة السمحاء، داعيا إلى الحرية الحقة، ومناديا بالمحبة التي لا تعرف الحسد ولا العجب ولا الكبرياء، ولا تسعى إلى منفعتها ولا تفرح بالظلم بل تفرح بالحق، التمست لديك الرسالة السامية، أوليست رسالة الكهنوت قمة في البذل والتضحية في سبيل المسيح والقريب، هكذا عشت ككاهن، ومطران، وبطريرك، بفيض من الحكمة والشجاعة، وبعد النظر وسلامة الرؤية، فكنت وبحق، الصوت الكنسي والوطني والإنسان الصافي، كما التمست لديك الحكمة الشجاعة، فعهدك كان عهد أمانة وحق ووفاء، يا من شهدت لقيم الحق والعدل والخير والمحبة والانفتاح ضد الجور والاستئثار والطغيان، صامدا في الصرح البطريركي، بين بكركي والديمان، مواجها بفكرك وكلمتك التحديات، ومتحديا بمواقفك الصعوبات، واسمح لي يا سيدنا أن أدعوك «البطريرك التاريخي القائد المقاوم»، صادق الكلمة وصريحا، جريئا، تكره المراوغة والمراوغين، منارة للصدق والاستقامة والنزاهة والجرأة الوطنية عبر الزمان، محافظا على التراث والأصول في العلاقات.
وزاد: ربضت أيها الجبار في عرينك بكركي تشهد للمحبة والحرية وتشيد بها على أرض التلاقي والأخوة، إنك ابن إيمان ورجاء لا ييأس، لذلك بقي شبابك كالنسر يتجدد في مواجهة الأزمات والصعوبات، عهدت لديك الانفتاح والحوار واللقاء، إنك أنموذج في التفاني من أجل حفاظك على قيمك السامية وأبنائك ووطنك، رائد اجتماعي وإنساني وثقافي، فكنيستي كانت وما زالت تعتز برعايتك لها، فإن بك وبأمثالك يبقى لبنان رسالة وأكثر من وطن، استشفيت منك الثقة، وقد ركنتها في النفوس، ساكبا فيها السكينة والطمأنينة، وما أغلى ثقة الناس ومحبتهم، بجميع فئاتهم ومللهم، يا أبا الكنيسة والوطن، عهدك لن ينقضي، لقد حملت أعباء زمن عبق بالمحن، فكنت جديرا بتلك المهمة الصعبة، في أحلك الظروف، يا من كنت أبا للجميع دون محاباة، تكرمك قلوبنا، إذ تبقى يا أبانا البطريرك، غرسة المحبة وستبقى عنوانا ومثالا لنا في شهامة الكرامة الإنسانية والشهادة الكنسية والغيرة الوطنية.
وفي ختام القداس شكر الأب ريمون عيد الجميع للمشاركة في الصلاة والعزاء بفقيد غال على قلوب الجميع والذي وصفته الكنيسة المارونية بأنه «أيقونة الكرسي البطريركي وعميد الكنيسة المارونية وعماد الوطن»، تاركا صفحة مشرفة في تاريخ لبنان ستبقى حية في ضمائر الذين عرفوه وعاصروه حيث كان مثالا للاعتدال والانفتاح والحكمة والحوار والعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين وترك في ذاكرة اللبنانيين وقفات مشهود لها خلال توليه مسؤوليته الدينية.