- جوانب من إسهامات الملك عبدالعزيز آل سعود في التطور الحضاري لمكة المكرمة خلالبداية القرن العشرين
- تعددت الاختلافات العقدية والمذهبية في مكة حتى أصبح للحرم المكي أربعة أئمة من أهل السنة وإمام زيدي
- فرضت بريطانيا على كل ما يصدر إلى الحجاز من الهند من أرزاق وبضائع ضريبة عرفت بـ «التندر» مما جعل قيمة الأرزاق تتصاعد في مكة ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في أثناء الحرب
- في أواخر حكم الأشراف كانت تفرض الضرائب والمكوس ولم يسلم منها إلا الهواء ما جعل مالية الحجاز في بعض الأحايين في تقدم عظيم
- تطابقت شكاوى حجاج الشرق الإسلامي في تاريخ الحجاز الحديث ضمناً مع شكاوى حجاج الغرب الإسلامي في تاريخ الحجاز الوسيط
- بلغت الدولة الفاطمية في أواخر عهدها انكساراً اقتصادياً جعلها تفرض مكوساً وضرائب أسقطها لاحقاً صلاح الدين الأيوبي
- كثرت الظلامات وعمت الشكوى والفتن في الأسواق خصوصاً أن طرق الجباية كثيراً ما كانت تتسم بالممارسات التعسفية من قبل العمال المشرفين
- شكّل «المكوس» استشهاداً أساسياً على تراكم الظواهر السلبية وتزايد الخوف والحزن بين الناس
- اتسمت الأحوال الاقتصادية للحجاز بالتردي وافتقرت إلى الموارد المالية خاصة بعد أن قطعت بريطانيا المعونة
بقلم: د.نواف عبدالعزيز الجحمة
أستاذ مشارك - الهيئة العامة للتعليم التطبيقي -كلية التربية الأساسية - الكويت
لقد مَنّ الله سبحانه وتعالى على عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود وأكرمه بمسؤوليته عن البيت الحرام في هذه الفترة التاريخية، وأظهر، رحمه الله، انطلاقا من اقتدائه بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وبسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده رضوان الله عليهم، وجريا على تنافس خلفاء وأمراء وسلاطين وملوك المسلمين عبر التاريخ على العناية بمدينة مكة المكرمة، فقد أبدى اهتماما يسترعي الانتباه ببيت الله الحرام، بغية الأجر والمثوبة متمثلا لأمره تعالى (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) (سورة الحج، آية 26).
ومن هذا المنطلق، وفي هذا الإطار الأخير يدخل موضوع هذا البحث الذي سيتم التركيز فيه على الإسهامات والعطاءات التي تتعلق أساسا بالمجالين المدني والديني اللذين حققهما الملك عبدالعزيز وتميز بهما خلال بداية القرن العشرين، وكذلك على الانطباعات الجيدة التي تركها في نفوس المسلمين وقتئذ.
آملين أن نسهم في إلقاء بعض الضوء على جانب طالما أغفله بعض المهتمين بدراسة التطور الحضاري الذي بلغته مكة المكرمة في هذه المرحلة التاريخية.
1-ج- ضرائب المكوس(21):
على الرغم من أن الولايات العثمانية تتمتع بتنظيمات مالية، إلا أن الحجاز من أفقر الولايات العثمانية في تلك الفترة(22).
فبعد أن قلت الموارد وازدادت النفقات وارتفعت المرتبات كان لا بد من إيجاد موارد جديدة لسد هذا العجز، وذلك عن طريق الرسوم المفروضة(23).
وبطبيعة الحال اتسمت هذه الرسوم بالكثرة والتنوع وعدم الثبات على حال دائمة حسب أهواء القائمين، ولا ريب أن هذه الرسوم كانت تشكل مصدرا من المصادر الكبرى لإيرادات الولاية لكنها في الوقت ذاته كانت تسبب إرهاقا للناس، لهذا كثرت الظلامات وعمت الشكوى والفتن في الأسواق، خصوصا أن طرق الجباية كثيرا ما كانت تتسم بالممارسات التعسفية من قبل العمال المشرفين.
أشار أمير الحج رفعت باشا إلى المكوس في أواخر القرن 19م وبداية القرن 20م، حيث أفادنا بأنها «ضرائب ما أنزل الله بها من سلطان». وقد برهن لنا في الصحافة المعاصرة لهذه الفترة ما يؤكد صحة هذه الشكاوى منها ما يلي:
٭ «العدد 4230 من جريدة المؤيد الصادرة في 23 المحرم سنة (1322هـ/ 1904م) تحت عنوان عريضة مفتوحة لجلالة سيدنا ومولانا الخليفة لسعادة صاحب الإمضاء) بقلم إبراهيم المويلحي».
٭ «العدد 4234 الصادر في 28 المحرم تحت عنوان «الخطر على الإسلام» بقلم محمد محمود أنيس.
٭ وجاء في جريدة المؤيد في العدد 4245 الصادر في 11 صفر تحت عنوان «الحجاج الهنود». استعراض لما نشر في الجرائد الهندية الإسلامية التي تصدر باللغة الأوردية عما أصاب حجاج بيت الله الحرام في هذا العام.
٭ وجاء في جريدة اللواء الصادرة في 18 شعبان سنة 1323هـ/ 1905م تحت عنوان «شكوى حجاج جاءوا من المطوفين بالحجاز»(24).
يبدو أن الأحوال الاقتصادية للحجاز اتسمت بالتردي، فقد كانت الحجاز في أمسّ الحاجة إلى المال، خاصة بعد أن قطعت بريطانيا المعونة بل فرضت على كل ما يصدر إلى الحجاز من الهند من أرزاق وبضائع ضريبة عرفت بـ «التندر»، ما جعل قيمة الأرزاق تتصاعد في مكة 3 أضعاف ما كانت عليه في أثناء الحرب(25)، أما في أواخر حكم الأشراف فقد كانت تفرض الضرائب والمكوس التي لم تسلم منها إلا الهواء ما جعل مالية الحجاز في بعض الأحايين في تقدم عظيم(26).
ومهما كان الأمر، فإنه لا بد أن نعرض الأسباب الداعية لهذه الشكاوى، وذلك من خلال دراسة الأوضاع النقدية في الحجاز العثمانية ورغبة جمرك جدة في الحصول على العملات التي كانت قيمتها مرتفعة في المعاملات المالية وقتذاك.
ومما هو جدير بالملاحظة أن شكاوى حجاج الشرق الإسلامي في تاريخ الحجاز الحديث تتطابق ضمنا مع شكاوى حجاج الغرب الإسلامي في تاريخ الحجاز الوسيط(27).
ولتبيان استمرارية هذه الظاهرة وتكرارها لا بد من سبر أغوار اللقطات التاريخية حتى نصل إلى سبب الموافقات المعمقة في تلك الشكاوى.
لوحظ أن الدولة العبيدية (= الفاطمية) في أواخر عهدها بلغت من الانكسار الاقتصادي ما جعلها تفرض مكوسا كثيرة حتى بلغ ارتفاع المكوس التي أسقطها صلاح الدين عن مصر إلى 18 نيف ومليوني دينار ومليوني أردب - ويحدثنا المقريزي عن نقص الذهب والفضة في مصر نقصا شديدا في مطلع العصر الأيوبي وعلى وجه التحديد سنة 569هـ أي بعد عامين من قيام الدولة الأيوبية(28).
ويذكر الرحالة ابن جبير في القرن السادس الهجري 12م في نصه «ولولا ما تلافى الله به المسلمين في هذه الجهات بصلاح الدين لكانوا من الظلم في أمر لا ينادى وليده، ولا يلين شديده، فإنه رفع ضرائب المكوس عن الحاج وجعل عوض ذلك مالا وطعاما وأمر بتوصيلها إلى مكثر أمير مكة فمتى بطأت عنهم تلك الوظيفة المترتبة لهم عاد هذا الأمير إلى ترويع الحاج وإظهار تثقيفهم بسبب المكوس»(29).
أما في أواخر القرن السابع 13م وبدايات القرن الثامن الهجري 14م - فنلاحظ أن شكاوى الرحالة المغاربة والأندلسيين(30) تتكرر ولم تختف من مسرح المرافأ علما أن هذه الشكاوى تنصب تترى في عهد الدولة المملوكية الأولى.
بطبيعة الحال أن تكون الاضطرابات التي صحبت سقوط الدولة الأيوبية وقيام الدولة المملوكية مقرونة باختلال النقد واضطرابه، وقد كان لكثرة النقد المتداول، ورواج الزيوف أثر في ارتفاع الأسعار وغلاء المبيعات، فأصبح النقد يوزن ولا يعد(31).
أضف إلى ذلك أنه قد كان للأزمات الاقتصادية من غلاء ومجاعات وأوبئة، وغياب الرقابة على الأمراء وعمال الديوان، واختلال الأمن دور في فداحة الرسوم التي تنهك التجار والحجاج في هذه الفترة.
يبقى أن التشابه في المنظور النقدي لدى الرحالة تجاه المكوس استشهاد أساسي على تراكم الظاهرة السلبية. نعم إنها صورة امتزج فيها الخوف والحزن من جهة والنفور والاستيلاء من جهة أخرى.
1-د- الاختلاف العقدي والمذهبي:
لم يفت الرحالة ا لمغاربة(32) خلال وجودهم بمكة المكرمة الالتفات إلى الاختلافات العقدية والمذهبية الموجودة في مكة وما يقابلها من تماسك عقدي وانسجام مذهبي ببلاد المغرب(33).
وقد قاد إلى إبداء هذه الملاحظة مناسبة تعدد الأئمة في الحرم المكي تبعا لاختلاف المذاهب في تلك الفترة، حتى أصبح للحرم المكي أربعة أئمة من أهل السنة والجماعة وإمام زيدي. وإن كان الإمام الزيدي قد اختفى في القرن الثامن الهجري (14م) أي في زمن رحلة ابن بطوطة.
وكان لكل من المذاهب السنية الأربعة إمام مقدم للصلاة بجماعته بالمسجد الحرام وإن كانت الأولوية للإمام الشافعي، وذلك لأنه المختار من الأيوبيين والمماليك، فهو الذي يخطب الجمع ويبدأ الصلاة خلف مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأهل مكة على مذهبه(34).
ثم تحول الاتباع للإمام الحنفي وصلاته قبالة الميزاب تحت حطيم مصنوع له. فهو أعظم الأئمة الأربعة وأشهرهم وذلك لأن الخلافة العثمانية كلها على مذهبه(35).
وقد لوحظ أنه كان يراعى في الصلوات المفروضة ترتيبا معينا لأئمة المذاهب، دون أن يحدث التباس وتشويش بين المصلين «باستثناء صلاة المغرب التي تؤدى في وقت واحد من قبل جميع الأئمة، فيدخل على الناس من ذلك سهو وتخليط فربما ركع المالكي بركوع الشافعي وسجد الحنفي بسجود الحنبلي أو يسلم أحدهم بغير سلام إمامه، لذا ترى المصلين يصغون باهتمام شديد لصوت إمامهم أو مؤذنهم ليتلافوا الوقوع في السهو(36).
وبهذه المناسبة يتنبه الرحالة إلى الفارق الحاصل بين المشرق والمغرب فيما يتصل بموضوع الصلاة بأئمة وجماعات متعددة، لاسيما أنه من مظاهر الاختلاف والفرقة، وقد نهى الإسلام عن تفريق الجماعات في الصلوات الذي يبدو وكأنه يمثل أهل أديان مختلفة وشرائع غير مؤتلفة، هذا وقد استمرت ظاهرة تعدد الأئمة في الحرم المكي حتى نهاية القرن التاسع عشر ويصف هورخرونيه هذا المشهد بقوله: «وحتى هذه الأيام 1885م/ 1303هـ لا يزال هذا الترتيب محيرا للسلطات، ويخضع إلى تبديل مستمر، ويلعب المالكيون والحنابلة دورا أقل أهمية نظرا لأهميتهم السياسية المحدودة في المدينة المقدسة، لكن الأحناف الذين ينتسب إليهم الأمراء الشراكسة في مصر والسلاطين العثمانيون في اسطنبول ينظرون بنوع من الحسد إلى مقام الشافعية مذهب أهل مكة الرسمي الذي بقي خلف مقام إبراهيم، لقد اختفت الزيدية عن المسرح السياسي منذ حكم الأتراك»(37).
وما التقطته عدسة هورخرونيه لا يعدو كونه رجع صدى لماض بعيد ورغم ذلك فإن ما لحظته عيناه يدفع في اتجاه التطابق مع حال مكة الذي كانت قد اشتعل فيها فتيل الاختلافات العقدية والصراعات المذهبية منذ عهد بعيد.
لكن هذا لم يكن ليعفى هورخرونيه من الانتباه إلى ما كان يعتمل في ساحة الجزيرة من صحوة دينية تجلت صورتها في ظهور الحركة الإصلاحية الوهابية.
ويؤكد أمير الحج رفعت باشا على هذه المشاهد، إذ يذكر مشاهداته في عام 1813م، حيث إن «الحنفي يبتدئ الصلاة في جميع الأوقات ويتلوه المالكي ثم الشافعي ثم الحنبلي إلا صلاة الصبح فيبدأ بها الشافعي ويتأخر عنهم الحنفي»(38).
مهما يكن من أمر فقد أنكر العلماء من كل المذاهب التعدد لأئمة الصلوات الخمس، واستشنعوا ذلك خصوصا في صلاة المغرب إذ يصلي الكل دفعة واحدة(39).
الهوامش
(21) هي ضرائب إضافية غير مشروعة نشأت عند حاجات وظروف جديدة اضطرت الدولة إلى فرضها وتسمى بالمال الهلالي لأنها تجبى مع هلال كل شهر.
أحمد مختار العبادي، دراسات في تاريخ الحضارة الإسلامية العربية، ذات السلاسل، الكويت، ط2، 1986، ص313.
عرف المقريزي المكس بأنه دراهم تؤخذ من بائع السلع في الأسواق، وأن أصل المكس في اللغة الجباية. المقريزي، الخطط، ج2، ص120.
(22) عبدالعزيز دولتشين، الرحلة السرية، ص119.
(23) من الرسوم المفروضة على الحجاج خلال موسم الحج: رسم التصديق، عائدات الكرنتينة، أجور الجمال، الخدمات العامة، إعانة بناء سكك الحديد الذي يربط الشام بالحجاز - وهيم، طالب محمد.
مملكة الحجاز (1916-1925)، دراسة في الأوضاع السياسية، جامعة البصرة، مركز دراسات الخليج العربي، 1982، ص92-109.
(24) رفعت باشا، مرآة الحرمين، ج2، ص77، 78، 79، 81.
(25) منى القحطاني، التنظيمات الداخلية في مكة المكرمة بعد دخول الملك عبدالعزيز آل سعود (1343-1351هـ/ 1424-1932م)، الرياض دارة الملك عبدالعزيز، 2006م، ص34.
(26) نصيف، حسين محمد، ماضي الحجاز وحاضره، مكتبة ومطبعة خضير، مصر ، ط1، 1349هـ، ص113.
(27) انظر: رحلة ابن جبير، ص46، 47 ـ العبدري، الرحلة المغربية، تحقيق محمد الفاسي، الرباط، ص85، 80.
ابن رشيد، ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الوجهة إلى الحرمين مكة وطيبة، ج5 تحقيق محمد الخوجة، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1988، ج3، ص20. التجيبي، مستفاد الرحلة والاغتراب، تحقيق عبدالحفيظ منصور، ليبيا - تونس، 1975، ص 171.
الرحلة، ص171.
نواف الجحمة، رحالة الغرب الإسلامي وصورة المشرق العربي من القرن السادس إلى القرن الثامن الهجري (12-14م)، دار الأهلية، الأردن، 2008، ص 250-202.
(28) المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، القاهرة، 1853م، ص 170، 104-105.
(29) رحلة ابن جبير، ص 47.
(30) رحلة العبدري، ص85، ابن رشيد، ملء العيبة، ج3، ص 20، البلوي القنتوري، تاج المفرق في تحلية علماء المشرق، تحقيق الحسن السائح، اللجنة المشتركة لنشر التراث الإسلامي بين المغرب والإمارات، ج1، ص197.
(31) نواف الجحمة، رحالة الغرب الإسلامي، ص261.
(32) انظر: رحلة ابن جبير، ص68-64. رحلة ابن بطوطة، ص173. البلوي، الرحلة، ص306.
(33) يقول ابن جبير «وليتحقق المتحقق ويعتقد الصحيح الاعتقاد أنه (لا إسلام إلا ببلاد المغرب) لأنهم على جادة واضحة لا بنيات بها.
وما سوى ذلك بهذه الجهات المشرقية فأهواء وبدع، وفرق ضالة وشيع، إلا من عصم الله عزوجل من أهلها كما أنه لا عدل ولا حق ولا دين على وجه إلا عند الموحدين أعزهم الله، فهم آخر أئمة العدل في الزمان - وكل ما سواهم من الملوك في هذه الأوان فعلى غير الطريقة يعشرون - رحلة ابن جبير، ص48. رحلة ابن بطوطة، ص173.
(34) هورخرونيه ، صفحات من تاريخ مكة، ص87.
(35) المصدر نفسه، ص89.
(36) انظر: رحلة ابن جبير، ص8. ابن بطوطة، الرحلة ، ص173. الفاسي، شفاء الغرام، ج8، ص395.
(37) هورخرونيه ، صفحات من تاريخ مكة، ص88- 89.
(38) رفعت باشا، مرآة الحرمين، ج1، ص253.
(39) المصدر نفسه، ج1، ص253.