عاقبة الغرور
(قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) قال «قارون» ردا لنصيحتهم كافرا بنعمة الله بأن هذه الأموال جاءته بعلمه، ولو أخذ بالنصيحة لنجا، فالإنسان يكابر أمام الحق مع أن الانقياد للحق نجاة.
وقد أهلك الله من قبله من هو أشد منه قوة، فما المانع من إهلاك قرون أخرى وإهلاك من هو مثله، فلم يزل قارون مستمرا في عناده وعدم قبول نصيحة قومه بطرا قد أعجبته نفسه وغره ما أوتيه من الأموال.
فريقان
يخبرنا الله عز وجل عن حال المتكبر المغرور فيقول: (فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم).
انقسم الناس إلى فريقين منهم الذين تعلقوا بالدنيا وليست لهم غاية إلا هي (يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون) من متاع الدنيا وزينتها، همهم الدنيا وغايتهم مرادها، ورد عليهم الفريق الثاني (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن..) هؤلاء عندهم من العلم النافع، عرفوا الحق، نظروا وسمعوا كلام ربهم، ورأوا الجنة وما فيها (خير لمن آمن وعمل صالحا) هذا الذي رغبتم فيه.
صفة أخرى (ولا يلقاها إلا الصابرون) ثواب الله خير لمن آمن وصبر، فالإيمان رديفه العمل الصالح ولكل شيء برهان وبرهان الإيمان العمل، والإيمان شطره صبر وشطره شكر، الصبر على زينة الدنيا والصبر على طاعة الله والصبر على المعصية، والصبر على ابتلاءات الدنيا والصبر على الأقدار المؤلمة وعلى الشهوات، هؤلاء الذين يؤثرون ثواب الله على الدنيا الفانية.
عقاب من جنس العمل
(فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين) الفاء تفيد التعقيب، فكان جزاؤه من جنس عمله، فأين خدمه وأين نفوذه وأين ماله وأين عصبته وجنوده؟ لينصروه لما جاء العذاب.
(وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر..) في كل موقف أنت في محل اختيار تكفر أو تشكر، توصلوا لهذه النتيجة بعد ما رأوا الخسف بقارون، فصار هلاك قارون عقوبة له وعبرة وموعظة لغيره حتى ان الذين غبطوه ندموا وقالوا: (ويكأنه لا يفلح الكافرون) لا في الدنيا ولا في الآخرة.
بقدر تواضعك يكون نصيبك في الآخرة
(تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) لما ذكر الله عز وجل قارون وما أوتيه من الدنيا وما صار اليه عاقبة أمره قال أهل العلم: (ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا)، (العاقبة للمتقين) أي الفلاح والنجاح لمن أتقى الله تعالى، أما الذين يريدون العلو في الأرض أو الفساد فليس لهم في الدار الآخرة نصيب ولا لهم منها حظ.
القيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء