الثناء العظيم
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) حمد الله تعالى نفسه في افتتاح السورة للدلالة على انه محمود في الأولى والآخرة، وله كمال الملك وله كمال الغنى وله الحمد في الآخرة، الشكر الكامل لله وحده والثناء الجميل الذي له ملك ما في السماوات وما في الأرض، وله الثناء التام في الآخرة، وهو الحكيم في أمره الخبير بكل ما خفي من أمور. افتتاح عظيم لهذه السورة يخبرنا الله تعالى بأن حمده ليس باللسان فقط، بل توحيده في القلب، وحمد الله لا يكون إلا بالقول الذي يصدقه العمل.
إحاطة علمه سبحانه
(لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) يخبرنا الله بعظيم ملكه، اي كل ما يوجد في الأرض والسماء ملك لله، إن الذي له الملك يستحق من الإنسان الحمد والشكر واتباع أمره، ولتعلم انه حكيم خبير مطلع على كل ما ينفعك، فالتعرف على الله يهوّن عليك القيام بأمره إذا عرفت الآمر اتبعت الأمر. فيخاطبك الله ويبين لك من هو لما بيّن كمال حكمته بيّن كمال علمه فقال: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) الله عالم بما يدخل في الأرض من قطرات الماء وما يخرج منها من النبات والمعادن والمياه، وما ينزل من السماء من الأمطار والملائكة والكتب، وما يصعد إليها من الملائكة وأفعال البشر، وهو الرحيم بعباده، فلا يعاجل عصاتهم بالعقوبة، الغفور لذنوب التائبين إليه المتوكلين عليه، وهو رحيم بالمؤمنين رحمة خاصة لا يعاجلهم بل يفتح لهم باب التوبة.
علم الساعة
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)، يعجب الله عز وجل من الكافرين المنكرين لقيام الساعة، فيلقن نبيه بأن يقسم بالله الذي لا يخفى عن علمه شيء، بأن الساعة التي تنكرونها، بلى وربي لتأتينكم، ولكن لا يعلم وقت مجيئها أحد سوى الله علام الغيوب الذي لا يغيب عنه وزن نملة صغيرة في السماوات والأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا هو مسطور في كتاب واضح وهو اللوح المحفوظ.
العمل الصالح
ثم بين الله تقرير وقوع البعث والجزاء فقال: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) من آمن بذلك وعمل الصالحات ولا يكون العمل صالحا إلا أن يكون موافقا للكتاب والسنة، فمن قال اني مؤمن وترك العمل فقد عطل الدين. (أولئك) إشارة للبعيد، فقد شرف الله مكانتهم ورفع درجاتهم وغفر ذنوبهم ورزقهم رزقا كريما.
العذاب الأليم
أما اذا اختار الإنسان طريق الجحود والنكران في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ) (سعوا): بذلوا الجهد، فالكافر لا يكتفي بأن يكون كافرا بمفرده بل يريدك معه، أولئك لهم أسوأ العذاب وأشده ألما.
مكانة أهل العلم
(وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) لأهل العلم مكانة خاصة عند الله، فالذين أعطوا العلم يعلمون ان الوحي حق ويعلمون انك على حق. اختار بن كثير ان هذه الآية من مشاهد يوم القيامة، وهي ان المؤمنين بما أنزل على الرسل اذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموا من كتاب الله في الدنيا رأوه حينئذ عين اليقين ويقولون يومئذ أيضا: «لقد جاءت رسل ربنا بالحق» ختم الله عز وجل فواصل الآيات تأدبا، فيها بلاغة عظيمة، فالقرآن الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويرشد إلى طريق الله يعلمه الذين أعطوا العلم لأن هذا القرآن من العزيز الذي لا غالب له، بل قهر كل شيء وغلبه، المحمود في أقواله وأفعاله وشرعه وهو مع عزته حميد بكل أفعاله.
محمد أصدق الصادقين
(أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَل الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ)، يقول الله عز وجل مبينا كلام هؤلاء، هذا الرجل أاختلق على الله كذبا ام به جنون؟ فهو يتكلم بما لا يدري؟ ليس الأمر كما قال الكفار، بل محمد أصدق الصادقين، بل: للاضراب اي إلغاء كل ما قبله فكأن مفهوم الآية، بل هو الصادق الأمين النبي المرسل ولكن هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ضلوا فلا أبقوا لهم دنيا ولا آخرة، لهم العذاب الدائم في الآخرة والضلال البعيد عن الصواب في الدنيا.
آيات كونية
(أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِم الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنْ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) القرآن يدعونا للنظر في مشاهد التوحيد في تاريخ البشرية بها العظة والعبرة، انظر ايها الإنسان انت محاط بالسماء والأرض، قدرة الله تعالى بين أيديهم ومن خلفهم مما يبهر العقول وأنهما قد أحاطتا بهم، فكيف تخرج من إرادة الله؟ إن نشأ نخسف بهم الأرض كما فعلنا بقارون، أو ننزل عليهم قطعا من العذاب كما فعلنا بقوم شعيب فقد أمطرت السماء عليهم نارا فأحرقتهم، علام ن تتكبر أيها الإنسان؟ انظر الى تاريخ البشرية وإلى آيات الله، إن في ذلك الذي ذكرنا من قدرتنا لدلالة ظاهرة لكل عبد راجع الى ربه بالتوبة ومقر له بتوحيده ومخلص له في عبادته.
آيات بشرية
(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) بعد ان لفت الله عز وجل إلى آياته الكونية يلفت الى آياته البشرية، ولقد آتينا داود نبوة وكتابا وعلما، وقلنا للجبال والطير سبحي معه، وألنّا له الحديد فكان كالعجينة يتصرف فيه كيف يشاء، والفضل: هو الزيادة على الحد. فإن تولاك الله سخر لك جميع المخلوقات وجعل كل شيء لك ذليلا ولو كنت تراه مستحيلا.
منهج حياة
(أَن اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) يأمر الله بصلاح العمل، يأمر نبيه داود وأتباعه وأهل الإيمان، هذا الفضل الذي أعطيتهم إياه هو من عند الله لذلك استحق الحمد ان يتبع في كل أمر فهو بصير بحالك عالم بأحوالك، بصير بما تعملون وما ستفعلون.
من سبأ؟
قال الإمام أحمد: حدثنا ابوعبدالرحمن، حدثنا ابن لهيعة عن عبدالله بن دعلة، سمعت عبدالله بن العباس يقول: إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبأ ما هو؟ أرجل أم امرأة أم أرض؟ قال صلى الله عليه وسلم: بل هو رجل ولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة، فأما اليمانيون: فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحمير، وأما الشامية: فلخم وجذام وعاملة وغسان.
داوود عليه السلام
قال الرسول صلى الله عليه وسلم في طريقة عبادة داوود عليه السلام: «أحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام وأحب الصيام الى الله صيام داود، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ويصوم يوما ويفطر يوما»، فقد كان قويا في عبادته، فقيها في الإسلام، وهب الله تعالى داود صوتا جميلا فكان حين يسبح الله كانت الطيور في الهواء تسبح معه وترجع ترجيعه وتسبح بتسبيحه من حسن صوته والتأثر به، وكذلك الجبال كانت تجيبه وتسبح معه.
أنزل الله على نبيه داود الزبور وفيه من المواعظ والحكم وكان يرتله بصوت رخيم حسن وأعطاه الله ملكا عظيما وحكما نافذا ورزقه الحكمة وفصل الخطاب.ألقيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء