بقلم: عبدالله بن محمد آل الشيخ - الرياض
قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)، وقال الله تعالى: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)، وقال الله تعالى (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ).
وفي الحديث: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي، فأجرني فيها، وأبدلني بها خيرا منها».
الموت علينا حق، ولا يسلم منه لا نبي مرسل، ولا ملك مبجل، والقدر المحتوم قادم ولا هروب منه، ولو كنا في بروج مشيدة، وكما قال تعالى في محكم كتابه «إنك ميت وإنهم ميتون»، وعلى المسلم والمسلمة الرضا بقضاء الله، نعم علينا أن نرضى بقضاء الله وقدره، فقد قضى الله سبحانه وتعالى بموت الإنسان الذي أحببناه.
وعلينا أن نؤمن بالقدر خيره وشره، وأن نتقبل المصيبة مهما كان حجمها وعظم أثرها، لأن في ذلك أجرا عظيما بإذن الله.
بعد هذه المقدمة من آيات وأحاديث، تدعونا جميعا للصبر والاحتساب نتاج فقدان قريب وحبيب وصديق ورفيق، فإن الحزن والألم الذي أصابني خلال الأيام الماضية وأصاب أهلي وربعي وأسرتي في الكويت الشقيقة كبير وكبير وعظيم عظيم، لفقدان رجل الرجال، أمير الإنسانية، وعميد الديبلوماسية، ورجل الحكمة والحاكم بروح الإنسان المتواضع والذي منحه الله الخلق والأخلاق، وحسن المعشر والتعامل الرفيع، إنه أحبتي
سمو الوالد قدرا ومكانة المغفور له بإذن الله تعالى الأمير والشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه، يا رب، يا رب، إن العين لتدمع، والقلب ليحزن، برحليك عنا يا غالينا «أبو ناصر الحبيب، عرفتك وعرفتك بكل الخصال الحميدة في أوائل السبعينيات الميلادية وأنت رحمك الله ترأس وفد بلادك وزيرا للخارجية لمؤتمر منظمة التعاون الإسلامي في جدة غرب المملكة العربية السعودية وكنت أنا حينئذ مندوبا صحافيا نشطا أعمل على تغطية المؤتمر لصحيفة عكاظ السعودية، وكان اللقاء الأول مع شيخنا وحبيبنا «أبو ناصر»، وأتذكر حينها أنه كان من ضمن جدول أعمال المؤتمر الرئيسية مناقشة انفصال بنغلاديش عن الباكستان ودارت حينها مناقشات حادة برفض الانفصال من قبل الدول المشاركة وبعد هذه الجلسة كنت في حديث مع صاحب الرؤية المستقبلية والديبلوماسي العريق فقيدنا «أبو ناصر» وسألته عن الانشقاق والرفض فقال:
عبدالله كل هذا بعد أيام سينتهي وسينفرط العقد باعتراف جميع الدول ببنغلاديش!
وفعلا ما تنبأ به شيخنا، رحمه الله، حصل خلال فترة قصيرة وتم الاعتراف بها!
وبعد هذا اللقاء توطدت علاقتي وكان هناك تواصل صحافي وشخصي على مدى سنوات طويلة تخللتها زيارات عديدة.. واستمرت خلال الاحتلال الغاشم على الكويت «لا أعادها الله من ذكرى»..!!
وبعد أن تولى سموه، رحمه الله، مقاليد الحكم شرفت بزيارة سموه كمحب له وللكويت وأهلها.. وكنت في كل زيارة أحظى برعايته واهتمامه وتقديره وحفاوته..
وكم من مرة يقول لي رحمه الله «عبدالله لو أعرف أنك جيت للكويت ولا شفتك تراني سوف ازعل منك» وكنت عند وعدي لا أشعر باكتمال زيارتي للكويت إلا بطلب مقابلة سموه، وكنت ألقى كل الترحيب والاهتمام..
وحتى يكتمل عقد الزيارة بلقاء سمو ولي العهد حينها (أمير البلاد حاليا) صاحب السمو الشيخ نواف الأحمد وعدد من الشيوخ الأفاضل..
كم كان الراحل الكبير الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، متواضعا بسيطا يتمتع بعفوية نادرا ما تجدها في زعيم وقائد دولة.. كم كنت أسمع وأشاهد سموه وهو يفاجئ الكثير بزياراته مواسيا في عزاء أو مشاركا في فرح او أمسية رمضانية أو ثقافية مما أكسبه شعبية ومحبة في قلوب أهل الكويت بمختلف مشاربهم..
في إحدى زياراتي لسموه، رحمه الله وغفر لنا وله، قدمت له درعا تذكارية دونت به أول لقاء صحافي لي معه قبل حوالي 50 عاما مضت وبعد أن شرحت لمقام سموه قصة اللقاء، قال بابتسامته المعهودة: (أوه يا عبدالله لو ترجع تلك الأيام من عمرنا وياك).
كم كان، رحمه الله، رقيقا صادقا في عواطفه ولقاءاته، يترك لدى زائره بأنه صاحب المكان ويخفف عنه من توتر في مجلس حاكم محنك بشخصية «أبو ناصر» الفريدة التي اتسمت وكما هو معروف بأمير الإنسانية بعد أن كرمته الأمم المتحدة وسميت الكويت «مركزا للعمل الإنساني» تقديرا من المنظمة الدولية للجهود التي بذلها الأمير وبذلتها الكويت خدمة للإنسانية.
ولقب سموه، رحمه الله، بـ «شيخ الديبلوماسيين العرب والعالم» و«عميد الديبلوماسية العربية».. التي برع فيها ليستحق عن جدارة لقب مهندس السياسة الخارجية الكويتية وعميد الديبلوماسيين في العالم، بعد أن قضى 40 عاما على رأس تلك الوزارة المهمة قائدا لسفينتها.. وإبان عمله وزيرا للخارجية، رفع المغفور له بإذن الله الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح علم الكويت فوق مبنى الأمم المتحدة بعد قبولها عضوا فيها في 11 مايو 1963، وبذل طوال سنوات قيادته لوزارة الخارجية جهدا كبيرا في تعزيز وتنمية علاقات الكويت الخارجية مع مختلف دول العالم، كما قام بالعديد من الوساطات التي أسهمت في حل العديد من الأزمات العربية منها والدولية واستمر في مسيرة العطاء بعد تعيينه رئيسا للحكومة الكويتية حتى يناير عام 2006، عندما تمت تزكية سموه رحمه الله أميرا للكويت.
مسيرة عطاء ونماء وخير تحققت خلال تلك المسيرة التي قادها المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ الرؤوم الرحيم صباح الأحمد الجابر الصباح لتكون الكويت دولة ذات مكانة عالية مرموقة، بشعب أبي يقف مع قيادته ووطنه بكل ولاء ومحبة وإخلاص، ولتستمر قيادتها الجديدة بأميرها صاحب السمو الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، وسمو ولي عهده الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح الحريصين جدا على التواصل والتشاور مع قيادتنا الحكيمة في كل ما فيه مصلحة البلدين الشقيقين ودعم مسيرة دول مجلس التعاون الخليجي وتقوية أواصر المحبة والأخوة بين شعوب دولها والحرص المعهود بالحذر في ظل الظروف المحيطة بنا وما يخططه أعداء النجاح والأمن والاستفزاز من مكائد ومؤمرات ونشر الفتنة بين شعوب دول المجلس والدول المساندة لها، الحرص واجب والحذر مطلوب فكم من متربص بنا ودولنا لا يتمنى لنا هذا الأمن والعيش الرغيد الذي ليس لأحد به منة علينا وأنما هو من فضل الله علينا، علينا أن نحمد الله ليل نهار ونأخذ من دول أخرى دروسا وعبرة لما تعانيه من عدم أمن ولا استقرار وحرمان وقتل واقتتال.. حفظ الله وطننا ووطنكم أهلي بالكويت وحفظ لكل بلاد الأمة أوطانها.
وأحر التعازي من قلب محب، بل من كل سعودي وسعودية لكم قادة الكويت وأهلها الكرام بفقدان والدكم ووالدنا قدرا ومكانة المغفور له بإذن الله الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح.. رحمه الله.
وأطيب التهاني لأهلنا بالكويت بصاحب السمو الأمير الشيخ نواف الأحمد وسمو ولي عهده الشيخ مشعل الأحمد، داعين الله أن يوفقهما
لما فيه خير الكويت وشعبها.. إنه سميع مجيب.