Note: English translation is not 100% accurate
فتوحات إسلامية
غزوة تبوك ضرب الصحابة أروع الأمثلة في البذل والعطاء
24 أغسطس 2010
المصدر : الأنباء
من كان يصدّق أن العرب الذين كانوا مجرد قبائل متناحرة، ليس لهم كيان يذكر، ولا أي قدرة على مواجهة الأخطار الخارجية، سيأتي عليهم يوم يتوحدون فيه، وتكون لهم دولة مستقلة، ويجابهون أعظم قوة في ذلك الزمان، ويغزونها في عقر دارها؟.
إن ذلك لم يكن ليتحقق إلا في ظل رسالة الإسلام، والتي أصبح المسلمون من خلالها قوة يحسب لها الآخرون ألف حساب، حتى استطاعوا أن يعودوا إلى مكة فاتحين خلال ثماني سنين من هجرتهم، ليستقبلوا أفواج الناس التي أقبلت للدخول في دين الله.
فبعد استقرار الوضع الداخلي في مكة، توجه النبي صلى الله عليه وسلم بالنظر إلى الخارج لإكمال مهمة الدعوة والبلاغ، خصوصا أن الأنباء كانت قد وصلت إليه أن الروم بدأت بحشد قواتها لغزو المسلمين، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبادرهم بالخروج إليهم، في غزوة عرفها التاريخ باسم «غزوة تبوك».
ونظرا لتلك الظروف الصعبة، استقر رأي النبي صلى الله عليه وسلم على التصريح بجهة الغزو على غير عادته، وذلك لإدراكه بعد المسافة وطبيعة العدو وحجم إمكاناته، مما يعطي الجيش الفرصة الكاملة لإعداد ما يلزم لهذا السفر الطويل، إضافة إلى ان وضع الدولة الإسلامية قد اختلف عن السابق، حيث تمكن المسلمون من السيطرة على مساحات كبيرة من الجزيرة العربية، ولم يعد من الصعب معرفة وجهتهم القادمة.
وهكذا أعلن النبي صلى الله عليه وسلم النفير، وحث الناس على الإنفاق في سبيل الله قائلا: «من جهز جيش العسرة فله الجنة» رواه البخاري، فاستجاب الصحابة لندائه، فأما عثمان بن عفان رضي الله عنه فانطلق مسرعا إلى بيته وأخذ ألف دينار ووضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتكفل بثلاثمائة بعير بكامل عدتها، فاستبشر النبي صلى الله عليه وسلم من فعله وقال: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم».
وحاول عمر بن الخطاب أن يسبق أبا بكر فأتى بنصف ماله، وإذا بأبي بكر رضي الله عنه يأتي بكل ما عنده دون أن يبقي لأهله شيئا، فقال عمر رضي الله عنه: «والله لا أسابقك إلى شيء أبدا». وتصدق عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه بألفي درهم، إلى جانب الصدقات العظيمة التي قدمها أغنياء الصحابة كالعباس بن عبد المطلب، وطلحة بن عبيد الله، ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن عدي، رضي الله عنهم أجمعين.
وكان لفقراء المسلمين نصيب في الصدقة، حيث قدموا كل ما يملكون في سبيل الله مع قلة ذات اليد.
ووقف علبة بن زيد رضي الله عنه ينظر إلى جموع المسلمين، وهي تتسابق على الإنفاق والصدقة، والحسرة تملأ فؤاده حيث لم يجد ما يتصدق به، ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أبشر، فوالذي نفس محمد بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة». واستغل المنافقون هذه المواقف المشرفة للسخرية من صدقات الفقراء، والتعريض بنوايا الأغنياء، كما حاولوا أن يصدوا الناس عن الخروج، بالترهيب من لقاء العدو تارة، والترغيب في الجلوس والإخلاد إلى الراحة تارة أخرى، خصوصا أن الغزوة كانت في وقت شدة الحر وطيب الثمر. ولم يتوقف كيد المنافقين عند هذا الحد، بل قاموا ببناء مسجد في أطراف المدينة ليكون مقرا لهم، يدبرون فيه المؤامرات للقضاء على الإسلام وأهله، وطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي فيه كنوع من التمويه والخداع، لكن الله بين لنبيه حقيقة نواياهم، ونهاه عن الصلاة في مسجدهم.
واجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون ألف مقاتل من المهاجرين والأنصار وغيرهم من أبناء القبائل العربية، ودفع باللواء إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقام بتقسيم الجيش إلى عدد من الألوية، وعين على كل منها قائدا. وجاء الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون منه أن يعينهم بحملهم إلى الجهاد، والنبي صلى الله عليه وسلم يعتذر بأنه لا يجد ما يحملهم عليه من الدواب، فانصرفوا وقد فاضت أعينهم أسفا على ما فاتهم من شرف الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخلد الله ذكرهم إلى يوم القيامة، وأنزل فيهم قوله: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) التوبة: 91 – 92، وكانت رغبتهم الصادقة في الخروج سببا لأن يكتب الله لهم الأجر كاملا، فقد جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، حبسهم العذر».
أما المنافقون فقد تخلف معظمهم عن الغزو، وقاموا بادعاء الأعذار الكاذبة، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم أعذارهم، وأنزل الله آيات في سورة التوبة تفضح أمرهم، وتكشف حقيقة كذبهم، وتنذرهم بالعذاب الأليم.
وانطلق الجيش بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الطريق مروا على ديار ثمود، فسارع بعض المسلمين ليروا مساكنهم، ويقفوا على آثارهم، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدعا الناس ثم قال لهم: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين، حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم»، ثم أمرهم بالإسراع في الخروج، فأخبره الصحابة أن بعضهم قد تزودوا بالماء للشرب وصنع العجين، فأمرهم بإراقة ذلك الماء، وإطعام العجين للدواب، إلا أنه استثنى ما أخذوه من بئر ناقة صالح عليه السلام.
وبدأت المعاناة بسبب نقص المياه، وشدة الحرارة، وقلة الرواحل، حتى إن البعير الواحد كان يتناوب عليه الجماعة من الرجال، واضطر بعضهم إلى أكل أوراق الشجر ونحر الإبل ليشربوا ما في بطونها، وبعد أن بلغ بهم الجهد مبلغا عظيما شكوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا ربه بنزول المطر، ولم يكد ينتهي من دعائه حتى أمطرت السماء وارتوى الناس، وكانت هذه المعجزة تثبيتا للمؤمنين وتخفيفا لمعاناتهم.
وعندما وصل الجيش إلى تبوك، لم يجدوا أثرا للروم أو القبائل الموالية، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى دومة الجندل، وغنموا عددا كبيرا من المتاع والأنعام، واستطاعوا أن يأسروا ملكها «أكيدر بن كندة»، وأتوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فصالحه على دفع الجزية، ثم أطلق سراحه. ومكث النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك عشرين يوما، يستقبل الوفود التي جاءت للمصالحة ودفع الجزية من أهل «جرباء وأذرح» وغيرهما، وكان منهم وفد ملك «أيلة» الذي بعث بهدية من كساء وبغلة بيضاء، فقبلها النبي صلى الله عليه وسلم. وبعد أن تحقق المقصود من الغزو، عاد الجيش الإسلامي إلى المدينة، فلما اقترب منها خرجت جموع النساء والأطفال لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم والاطمئنان على سلامته، ثم توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مسجده وصلى فيه ركعتين، ثم جلس مع الناس، وجاءه المنافقون يعتذرون إليه، فقبل أعذارهم وأوكل سرائرهم إلى الله، وحضر إليه الثلاثة الذين خلفوا عن المعركة فلم يقبل أعذارهم، ونهى الناس عن مخالطتهم والكلام معهم، حتى أنزل الله توبتهم.