Note: English translation is not 100% accurate
سير الآل والأصحاب
عبدالله بن عباس.. حبر الأمة.. وترجمان القرآن
13 أغسطس 2011
المصدر : الأنباء
دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: «اللهم فقهه في الدين»
كان عمر رضي الله عنه يحبه ويقربه من مجلسه ويستشيره في جميع أموره ويأخذ برأيه رغم صغر سنه
من إعداد: ضاري المطيري هو عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب بن هاشم ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين بشعب بني هاشم، وأمه هي أم الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير الهلالية من هلال بن عامر، بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صغير لم يبلغ الحلم، وهاجر إلى المدينة مع أبويه قبل فتح مكة، وكان ابن ثلاث عشرة سنة لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روي له 1660 حديثا، وكان بعد ذلك مقدما عند أبي بكر، وعمر، وعثمان، وجعله علي بن أبي طالب واليا على البصرة، وكان أبيض طويلا مشربا صفرة، جسيما وسيما جميلا، صبيح الوجه، فصيحا مهيبا، كامل العقل.
علمه الغزير
هو حبر الأمة وترجمان القرآن، دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: «اللهم فقهه في الدين» كما في صحيح البخاري، قال عبيد الله بن عبدالله بن عتبة: كان ابن عباس رضي الله عنه قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم ونسب ونائل، وما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله منه، ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أفقه في رأي منه، ولا أعلم بشعر ولا عربية ولا بتفسير القرآن ولا بحساب ولا بفريضة منه، ولا أثقب رأيا فيما احتيج إليه منه، ولقد كان يجلس يوما ولا يذكر فيه إلا الفقه، ويوما التأويل، ويوما المغازي، ويوما الشعر، ويوما أيام العرب، ولا رأيت عالما قط جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلا قط سأله إلا وجد عنده علما.
وعن أبي صالح قال: لقد رأيت من ابن عباس رضي الله عنه مجلسا لو أن جميع قريش فخرت به لكان لها به الفخر، لقد رأيت الناس اجتمعوا حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر على أن يجيء ولا يذهب.
ليلة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم
عن علي بن عبدالله بن عباس، عن أبيه قال: أمرني العباس رضي الله عنه قال: بت بآل رسول الله ليلة. فانطلقت إلى المسجد، فصلى رسول الله العشاء الآخرة حتى لم يبق في المسجد أحد غيره. قال: ثم مر بي فقال: «من هذا؟» فقلت: عبدالله. قال: «فمه؟» قلت: أمرني أبي أن أبيت بكم الليلة. قال: «فالحق». فلما دخل قال: «افرشوا لعبدالله». قال: فأتيت بوسادة من مسوح. قال: وتقدم إلي العباس ألا تنامن حتى تحفظ صلاته. قال: فقدم رسول الله فنام حتى سمعت غطيطه. قال: ثم استوى على فراشه، فرفع رأسه إلى السماء فقال: «سبحان الملك القدوس» ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآية من آخر سورة آل عمران حتى ختمها: (إن في خلق السماوات والأرض)، ثم قام فبال، ثم استن بسواكه، ثم توضأ، ثم دخل مصلاه فصلى ركعتين ليستا بقصيرتين ولا طويلتين. قال: فصلى ثم أوتر، فلما قضى صلاته سمعته يقول: «اللهم اجعل في بصري نورا، واجعل في سمعي نورا، واجعل في لساني نورا، واجعل في قلبي نورا، واجعل عن يميني نورا، واجعل عن شمالي نورا، واجعل أمامي نورا، واجعل من خلفي نورا، واجعل من فوقي نورا، واجعل من أسفل مني نورا، واجعل لي يوم القيامة نورا، وأعظم لي نورا».
تربية النبي صلى الله عليه وسلم له
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: أهدي إلى النبي بغلة، أهداها له كسرى، فركبها بحبل من شعر ثم أردفني خلفه، ثم سار بي مليا، ثم التفت فقال: «يا غلام». قلت: لبيك يا رسول الله. قال: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد مضى القلم بما هو كائن، فلو جهد الناس أن ينفعوك بما لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه، ولو جهد الناس أن يضروك بما لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فاصبر، فإن في الصبر على ما تكرهه خيرا كثيرا، واعلم أن مع الصبر النصر، واعلم أن مع الكرب الفرج، واعلم أن مع العسر اليسر».
حرصه على اتباع السنة
عن ابن عباس رضي الله عنهأنه طاف مع معاوية رضي الله عنه بالبيت، فجعل معاوية رضي الله عنه يستلم الأركان كلها، فقال له ابن عباس رضي الله عنه: لم تستلم هذين الركنين، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما؟ فقال معاوية رضي الله عنه «ليس شيء من البيت مهجورا. فقال ابن عباس: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) فقال معاوية رضي الله عنه «صدقت».
من مناقبه
أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: «وإن حبر هذه الأمة لعبدالله بن عباس»، وقد أثنى عليه عدد من الرجال، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي يقول عنه: «ذلك فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول»، وقال القاسم بن محمد رضي الله عنه: «ما سمعت في مجلس ابن عباس باطلا قط، وما سمعت فتوى أشبه بالسنة من فتواه».
في مجلس الفاروق
كان عمر رضي الله عنه يحب عبدالله بن عباس ويقربه من مجلسه ويستشيره في جميع أموره، ويأخذ برأيه رغم صغر سنه، فعاب ناس من المهاجرين ذلك على عمر، فقال لهم عمر: أما أني سأريكم اليوم منه ما تعرفون فضله، فسألهم عمر عن تفسير سورة (إذا جاء نصر الله والفتح)، فقال بعضهم: أمر الله نبيه إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجا أن يحمده ويستغفره، فقال عمر: يا ابن عباس، تكلم. فقال عبدالله: أعلم الله رسوله «متى يموت، أي: فهي علامة موتك فاستعد، فسبح بحمد ربك واستغفره» البخاري وأحمد، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا دعا الأشياخ من أصحاب محمد دعاني معهم، فدعانا ذات يوم أو ذات ليلة فقال: إن رسول الله قال في ليلة القدر ما قد علمتم، فالتمسوها في العشر الأواخر، ففي أي الوتر ترونها؟ فقال بعضهم: تاسعه. وقال بعضهم: سابعه، وخامسه، وثالثه. فقال: ما لك يابن عباس لا تتكلم؟ قلت: إن شئت تكلمت. قال: ما دعوتك إلا لتكلم. فقال: أقول برأي؟ فقال: عن رأيك أسألك. فقلت: إني سمعت رسول الله: «إن الله تبارك وتعالى أكثر ذكر السبع، فقال: السموات سبع، والأرضون سبع، وقال: (ثم شققنا الأرض شقا، فأنبتنا فيها حبا، وعنبا وقضبا، وزيتونا ونخلا، وحدائق غلبا، وفاكهة وأبا). فالحدائق ملتف، وكل ملتف حديقة، والأب ما أنبتت الأرض مما لا يأكل الناس». فقال عمر رضي الله عنه: أعجزتم أن تقولوا مثل ما قال هذا الغلام الذي لم تستو شؤون رأسه؟ ثم قال: إني كنت نهيتك أن تكلم، فإذا دعوتك معهم فتكلم.
ذكاؤه الفذ وسرعة بديهته
بعث علي بن أبي طالب ابن عباس رضي الله عنهم ذات يوم إلى طائفة من الخوارج، فدار بينه وبينهم حوار طويل، ساق فيه الحجة بشكل يبهر الألباب، فقد سألهم ابن عباس رضي الله عنه: «ماذا تنقمون من علي؟»، قالوا: «ننقم منه ثلاثا: أولاهن أنه حكم الرجال في دين الله، والله يقول: (إن الحكم إلا لله).
والثانية: أنه قاتل ثم لم يأخذ من مقاتليه سبيا ولا غنائم، فلئن كانوا كفارا فقد حلت له أموالهم، وإن كانوا مؤمنين فقد حرمت عليه دماؤهم.
والثالثة: أنه رضي عند التحكيم أن يخلع عن نفسه صفة أمير المؤمنين استجابة لأعدائه، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين»، وأخذ ابن عباس رضي الله عنه يفند أهواءهم، فقال: «أما قولكم: إنه حكم الرجال في دين الله، فأي بأس؟ إن الله يقول: (يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم)، فنبئوني بالله، أتحكيم الرجال في حقن دماء المسلمين أحق وأولى، أم تحكيمهم في أرنب ثمنها درهم؟ وأما قولكم: إنه قاتل فلم يسب ولم يغنم، فهل كنتم تريدون أن يأخذ عائشة زوج الرسول وأم المؤمنين سبيا، ويأخذ أسلابها غنائم؟ وأما قولكم: إنه رضي أن يخلع عن نفسه صفة أمير المؤمنين حتى يتم التحكيم، فاسمعوا ما فعله رسول الله يوم الحديبية، إذ راح يملي الكتاب الذي يقوم بينه وبين قريش، فقال للكاتب: اكتب: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله». فقال مبعوث قريش: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، فاكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله. فقال لهم الرسول: «والله إني لرسول الله وإن كذبتم». ثم قال لكاتب الصحيفة: «اكتب ما يشاءون، اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله»، واستمر الحوار بين ابن عباس والخوارج على هذا النسق الباهر، وما كاد ينتهي النقاش حتى نهض منهم عشرون ألفا معلنين اقتناعهم، وخروجهم من خصــومة الإمام علي رضي الله عنه.
من أقواله
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إذا أتيت سلطانا مهيبا تخاف أن يسطو بك، فقل: الله أكبر، الله أكبر من خلقه جميعا، الله أعز مما أخاف وأحذر، أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو، الممسك السموات السبع أن تقعن على الأرض إلا بإذنه من شر عبدك فلان وجنوده وأتباعه وأشياعه من الجن والإنس، إلهي كن لي جارا من شرهم، جل ثناؤك، وعز جارك، وتبارك اسمك، ولا إله غيرك. ثلاث مرات، وله أقوال كثيرة في الحكمة والنصيحة منها: «خذ الحكمة ممن سمعت، فإن الرجل يتكلم بالحكمة وليس بحكيم، فتكون كالرمية خرجت من غير رام».
وفاته
مات عبدالله بن العباس رضي الله عنه بالطائف سنة ثمان وستين، وهو ابن إحدى وثمانين سنة.