Note: English translation is not 100% accurate
عودة التعليم في جامع الزيتونة التونسي تثير ردوداً متناقضة
30 مايو 2012
المصدر : إيلاف
أخيرا وبعد أكثر من خمسين عاما عادت الحياة إلى جامع الزيتونة بتوقيع وثيقة استئناف التعليم الزيتوني الأصلي من قبل وزراء التعليم العالي والتربية والشؤون الدينية إلى جانب شيخ الجامع الأعظم.
هذه العودة إلى التعليم الزيتوني رافقتها ردود أفعال متباينة من العديد من الأطراف السياسية، حيث رأى البعض في هذه العودة «ردة ونكسة للحداثة»، بينما استبشر الشق الآخر، واعتبرها «استعادة الشعب لهويته ولروحه وأصالته ولثقافته العربية الإسلامية».
أحد استحقاقات الثورة
يعتبر جامع الزيتونة أول جامعة في العالم الإسلامي، وهو أقدم جامع في تونس، بعد مسجد الجامع في القيروان، ويعد ثاني الجوامع التي بنيت في أفريقيا بعد جامع عقبة بن نافع في القيروان.
يرجح المؤرخون أن القائد الإسلامي حسان بن النعمان أمر ببنائه عام 79 هـ، وقام عبيد الله بن الحبحاب بإتمام عمارته في 116 هـ.
خلال حفل توقيع وثيقة استئناف التعليم الزيتوني في أول جامعة في العالم الإسلامي أكد وزير الشؤون الدينية د.نور الدين الخادمي أن عودة النشاط إلى جامع الزيتونة تعتبر «أحد استحقاقات الثورة وتتمة لاقتفاء أثر علماء الدين والفقه والفكر والحضارة والفلسفة الذين تتالوا على التدريس في هذا الجامع، الذي شدد على أنه مؤسسة علمية وتربوية وثقافية».
من جانبه، وصف وزير التعليم العالي والبحث العلمي د.المنصف بن سالم عودة التعليم الزيتوني بأنها تمثل «رسالة طمأنة إلى كل من يعيش في تونس».
أما وزير التربية د.عبداللطيف عبيد فقد اعتبر عودة التعليم الزيتوني بمثابة «فك الحصار عن جامع الزيتونة، وخطوة على درب الجلاء الثقافي والسياسي» في تونس، وأشار إلى ضرورة قيام مشايخ الزيتونة بالعمل على تطوير الجامع حتى يكون مواكبا للعصر».
الشيخ راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، عبر عن فرحته معتبرا إعادة النشاط إلى جامع الزيتونة «موعدا تاريخيا يستأنف فيه الإسلام مساره الطبيعي في تونس». ورأى أن قرار بورقيبة إيقاف التدريس في جامع الزيتونة «قرار خاطئ».
أما شيخ الجامع الأعظم حسن العبيدي فأشار إلى أن التعليم في جامع الزيتونة كان يتضمن قبل إيقافه العديد من الأنشطة التي تهتم بالحياة الثقافية وعلاقة المرأة بالرجل، مشددا على ضرورة أن يكون نشاط جامع الزيتونة «بعيدا عن أي تجاذبات إيديولوجية وسياسية».
عودة الهوية مع عودة جامع الزيتونة
أستاذ العلوم الإسلامية د.سعيد شلبي تحدث في تصريح لـ «إيلاف» عن عودة النشاط إلى جامع الزيتونة ويقول: «ظلم جامع الزيتونة في عهد بورقيبة، وبعد أكثر من خمسين سنة، ها هو يسترجع نشاطه من جديد، وإذا كانت هوية التونسي عربية إسلامية، فالعودة ستكون مقترنة بعودة جامع الزيتونة، الذي يمثل رمزا للشرع والإسلام، وبالتالي رمزا لعودة الشعب إلى دينه وثقافته، ومع عودة الخيارات الوطنية كان طبيعيا أن تعود الخيارات الشعبية، ومنها عودة التعليم إلى الشعب بعيدا عن التعليم المتغرب، وهو ما يجعل كل الجوانب متناسقة».
يضيف د.شلبي أن عودة جامع الزيتونة إلى النشاط هي في النهاية استعادة الشعب لهويته ولروحه وأصالته ولثقافته العربية الإسلامية ووحدة الشعب التونسي في عودة الثقافة الشعبية، وهي رجوع الضمير والقلب وإعادة الحياة بالمعنى الروحي والعقلي للكلمة، لكن تبقى المحاذير دائما، وهي حسن الترتيب وحسن الإدارة، وهذا يحتاج عملا حقيقيا ورقابة حقيقية وحنكة وصناعة، وليس مجرد نوايا».
بين التعليم الزيتوني والتثقيف الشعبي
عن البرنامج التربوي الذي كثر الحديث عنه، والذي سيتم اعتماده في جامع الزيتونة، قال د.سعيد شلبي: «هذا السؤال في الواقع يطرح داخليا، حيث هناك إشكالات بين الجامع والجامعة، فالجامع يعني النظام القديم مثلما ذكر ذلك شيخ الجامع، وهو نظام التطويع والتحصيل والعالمية، وسيكون الاتفاق في أن يفتح الجامع بفروعه، وهذا الأصل، يفتح المجال للطبقات الشعبية حتى تتشبع بثقافتها الدينية، لأن الدين غير مربوط بطلبة وجامعة، وهو من حق كل مسلم في هذا المجتمع العربي الإسلامي، وجامع الزيتونة بالتالي سيفتح المجال للتعليم الشعبي، الذي يهتم أساسا بتثقيف وتوعية المواطنين، وينتظر أن يتم الاتفاق حول نوعية الدراسات وتنظيمها، وخاصة استرجاع ما قاله محمد عبده في إصلاح جامع الأزهر، ومحمد الطاهر بن عاشور، حتى تكون الأمور واضحة ومنظمة».
وأضاف: «الأساس ليس التركيز على التعليم العلمي المعروف، ولكن التعليم الزيتوني، وفتح جامع الزيتونة يجب أن يهتم أساسا بالتعليم الشعبي والتثقيف الديني، فللمواطن نصيب وحق في الثقافة الدينية، ولكن إلى جانب العلوم الشرعية يمكن أن نضيف مواد أخرى مكملة، كالأدب والبلاغة والنحو وما عدا ذلك يصعب إدخال مواد علمية أخرى، ويبقى الأساس في جامع الزيتونة هو التعليم الشرعي، ويبقى التعليم العمومي كفيلا بتدريس الاختصاصات الأخرى، ولا يعتقد أبدا أنه يجب أن يكون هناك نوعان من التعليم، لأن التعليم المدني يجب أن يتضمن مواد علمية شرعية تمكن التلميذ من الهوية ومعرفة دينية معقولة وواضحة».
أما الأستاذ علي الجلولي، عضو المكتب السياسي لحزب العمال الشيوعي، وفي تصريح لـ «إيلاف»، فقد تحدث عن تأثير الزيتونة في ثقافة المجتمع مبينا أن: «هذا مربوط بالمضامين التي سيتم تدريسها، فإذا كانت مضامين نيرة وعقلانية يمكن أن تكون فضاء ممتازا قادرا على امتصاص خطر التحجر والتزمت وتكفير الآخر، ولكن إذا كانت المضامين متحجرة يمكن أن تلعب دورا عكسيا عبر تغذية الثقافة الرجعية.
وأضاف «في اعتقادي إذا عدنا قليلا إلى تاريخ عصر الأنوار في أوروبا، نجد أن الثورة ليست صناعية وفلسفية وفكرية، بل دينية، حيث رافقت حركة إصلاح ديني، تمت فيها مراجعة مفهوم الكنيسة ودورها في المجال الديني، وبالنسبة إلى العرب والمسلمين فمن مصائبنا أن حركة النهضة العربية والإصلاح الديني التي ظهرت في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قد فشلت، لأن المستويات النقدية العقلانية التنويرية مع محمد عبده أو الأفغاني والحداد وعلي عبدالرازق وقاسم أمين لم تحقق أهدافها، وانتصر بذلك التيار النقلي التقليدي الرجعي، الذي يسيطر إلى حد الآن، كالوهابية والسلفية».
وتابع «كما ان ظهور الإخوان المسلمين في مصر وبعض البلدان العربية هو نتاج الظواهر الجامدة، واليوم المجتمعات العربية يطرح أمامها التحدي الحضاري، ويمكن أن تلعب هذه الثورات دورا في هذا الاتجاه، والتحدي الحضاري هو أن تنهض، أي ان الدين يمكن أن يلعب دورا مهما إذا تم تحكيم العقل، والدين في التاريخ قد لعب دورا تقدميا ودورا رجعيا، وذلك حسب الحامين لهذه الخيارات، فالنقاش الدائر اليوم حول الظواهر السلفية لرجال الدين دور فيها وأي دور في ذلك، والأئمة والفقهاء والمفتي يفترض أن يعطوا آراءهم في هذا الشأن للتصويب والتعديل.
ونحن كقوى تقدمية وثورية ندافع عن الرؤية العقلانية النقدية التي تتقدم بالمجتمع وتزرع فكرة التسامح بين أفراده، ففي عصور التقدم العربي الإسلامي لم تكن هناك مظاهر للتكفير ورفض الآخر، بل كان التعايش السلمي مع المسيحي واليهودي، ولم يكن هناك رفض للإبداع والشعر.
وحركة الارتداد اليوم نعتبرها خطرة، ولعل رجال الدين المستنيرين يلعبون دورا مهما في إنارة الرأي العام نحو ذلك».
التعليم الزيتوني لا يمثل كارثة
يعتقد الأستاذ علي الجلولي عضو حزب العمال الشيوعي أن «هذا موضوع يتدخل فيه العديد من العوامل الاجتماعية والسياسية، ولكن بالنسبة إلينا نحن مع توحيد التعليم، ونقصد التعليم العصري والمدني، ونحن ندعو اليوم إلى مراجعته وتطويره، بما يمكن شعبنا من تعليم عصري يرتقي بمستوانا الحضاري والثقافي».
وأضاف الجلولي: «نحن لا نرى عودة التعليم الزيتوني إلى النشاط من جديد بمثابة الكارثة، لأنه من حق المواطنين في تونس أو في أفريقيا مثلا وغيرها من الدول العربية والإسلامية أن يتعلموا في جامع الزيتونة العلوم الشرعية، وهذا موضوع كان متوافرا في جامعي الزيتونة والأزهر، ولم يكن التعليم في الزيتونة مقتصرا على التعليم الشرعي، بل كذلك التعليم العصري بمختلف اختصاصاته، بتياراته العقلانية والحداثية، ومن رموز هذا التعليم الطاهر الحداد. وأذكر الآن أن هناك دعوات نشاز وغير مقبولة لحذف التعليم العصري واستبداله بالتعليم الديني والتقليدي، وهذا ما نرفضه، فالزيتونة لا يمكن أن تكون للصلاة فقط، بل للتعليم الديني، الذي لا يمكن أن يعوض التعليم العصري. نحن لا نتدخل في الشأن الداخلي للزيتونة، ولكن نريد أن ندافع عن مضامين عقلانية نيرة».
نكسة للحداثة
الناطق الرسمي باسم حزب المسار الديموقراطي الاجتماعي سمير بالطيب أشار إلى أن عودة النشاط إلى جامع الزيتونة تعتبر «نكسة للحداثة والتقدم في تونس».
وأضاف في تصريح لإحدى الإذاعات أن «مشايخ الدين الحاليين متطرفون ومتأثرون بالفكر الوهابي السلفي، في حين أن علماء الزيتونة الحقيقيين كانوا رافدا أساسيا لتقدم تونس ونهضتها وانعتاقها من الاستبداد والجهل».
ودعا بالطيب التونسيين إلى إنقاذ الزيتونة والتعليم التونسي من مشايخ الوهابية المتطرفين، وقال: «إن تصريحات البعض بإعادة تدريس الطب والهندسة في المساجد دليل واضح على مدى تخلف علماء الدين الحاليين».
وحول قرار عودة التعليم الزيتوني، نبه المسار الديموقراطي الاجتماعي في بيان اطلعت عليه «إيلاف» إلى «خطورة هذا القرار المسقط، لأنه يخرق القانون التوجيهي للتربية والتعليم، الذي لديه صبغة تشريعية، لا مجال للتراجع عنها، ولأنه يهدد بنسف الإصلاحات الجوهرية التي عرفها التعليم الزيتوني نفسه، وطالبت بها الحركة الطلابية الزيتونية، مقدمة في سبيلها العديد من الشهداء».
من جهته، أشار د.سعيد شلبي إلى أن: «الرافضين لعودة الحياة إلى جامع الزيتونة بعيدا عن الموقف الشعبي، هم لا يحملون ثقافة الشعب، ويعرفون جيدا أن القوة الرمزية لهذا الشعب ستكون دمارا لفكرهم وخيارهم، الذي كان خاطئا، لأنه ببساطة بعيد عن رغبة الشعب، لكونهم ينظرون إلى الشعب من عليائهم».