تشير الساعة إلى السابعة صباحا، تنهض سلوى الطرابلسي قبل الجميع والهدوء يعمّ الأرجاء، فتتولى بسرعة ترتيب وتنظيف منزلها المتواضع في محافظة صفاقس التونسية (الجنوب الشرقي) لتشرع فيما بعد في إعداد وجبة فطور الصباح.
القهوة جاهزة ورائحتها الشهية تفوح مما يعني أن وقت احتسائها قد حان، فتوقظ سلوى أشقاءها الخمسة ذوي الاحتياجات الخاصة الحاملين إعاقات بدنية وذهنية والذين تتولى رعايتهم بمفردها والاعتناء بهم.
منذ كانوا أطفالا، عوّدت سلوى إخوتها وعلّمتهم كيفية العناية بأنفسهم من غسل وجوههم وتنظيف أسنانهم إلى كيفية ارتداء ملابسهم، غير أنها تقف بجانبهم تراقب عن كثب تصرفاتهم، وإذا احتاج أحدهم للمساعدة تهرع لتقديمها له.
يحين موعد ذهابها إلى العمل، فتودّع سلوى أشقاءها الخمسة وتوصيهم بالتزام الحيطة والحذر، وتوصي شقيقتها الحاملة لإعاقة بدنية بمكالمتها في حال حدوث أي طارئ.
كانت سلوى تبلغ من العمر 13 عاما عندما توفيت والدتها تاركة لها أختها التي لم تتجاوز حينها السنة ونصف السنة من العمر، فقررت الانقطاع عن الدراسة والاعتناء بشقيقتها الرضيعة.
تلك كانت أولى خطوات التضحية في حياة سلوى (60 عاما) كما تقول للجزيرة نت التي نشرت التقرير. وبعد سنوات قليلة توفي والدها أيضا، فاختارت بمحض إرادتها التكفل برعاية أشقائها الخمسة، وألا تتركهم بحاجة إلى عطف الآخرين وإحسانهم.
وإلى جانب قرارها بمغادرة مقاعد الدراسة مبكّرا، تخلت سلوى عن حلم الزواج وبناء أسرة وإنجاب أطفال، حتى تتفرّغ كليا لإخوتها وتهب كل أوقاتها لهم.
"لستُ نادمة"
تقول سلوى للجزيرة نت "لستُ نادمة بتاتا على قراري ولو عاد بي الزمن إلى الوراء لاتخذته مرة أخرى مغمضة العينين ومرتاحة البال، رغم أن عديد الرجال الذين تقدموا بطلب الزواج مني تعهدوا بالسماح لي بالعناية بأشقائي ولكني رفضت".
تعتبر المرأة أشقاءها أطفالها الذين لم تنجبهم وأصدقاءها وكل دنياها، فالحب الذي تراه في أعينهم ويغمرونها به والطمأنينة والأمان اللذين تشعر بهما عندما تكون محاطة بهم يغنيانها عن كل ما في هذا العالم.
لا تلقي بالا لما يتصوره المجتمع بشأنها لأن الأهم بالنسبة لها هو سعادة أشقائها، فتستمد عزيمتها وصبرها من إيمانها ودعواتها الله أن يمنحها القوة حتى تنجح وتستمر في مهمتها النبيلة "فإخوتي هم عيني ويدي وساقي"، وفق قولها للجزيرة نت.
شكّلت سلوى بحنانها المفرط تجاه أشقائها رابطا قويا تجاوز قوة رابط الأخوّة إلى رابط أشد وهو الأمومة، فأصبحوا ينادونها "أمي"، وهي كلمة لها وقعها الخاص والسحري على قلبها، تؤكد للجزيرة نت.
وتسعى جاهدة لتوفر لهم كل ظروف العيش الملائمة والمريحة من خلال علاجهم في مصحات خاصة رغم وضعيتها الاجتماعية المتواضعة. فإلى جانب منحة التغطية الاجتماعية (180 دينارا تونسيا نحو 60 دولارا) التي تقدمها لها الدولة، تعمل سلوى منذ 34 سنة طاهية في جمعية "أولادنا" في صفاقس.