في حادث نادر وخاطف – لكنه مثير للقلق – تعطل جزء كبير من خدمات الإنترنت العالمية، يوم الثلاثاء، بعد خلل أصاب شركة أميركية للحوسبة السحابية، ما تسبب في منع الوصول إلى عدد كبير من المواقع والتطبيقات الإلكترونية في أماكن مختلفة من العالم.
العطل الذي يثير مخاوف من مدى هشاشة الشبكة العنكبوتية، استمر ساعة تقريبا، وطال عددا من المواقع الإخبارية العالمية وحتى المواقع الحكومية الرسمية ومنصات التجارة الإلكترونية والتواصل الاجتماعي مثل «أمازون» و«ريديت»، وكان أثره ملحوظا في الأميركيتين وأوروبا وآسيا وأفريقيا.
ففي حوالي الساعة 6:30 صباح الثلاثاء بالتوقيت الشرقي للولايات المتحدة، قالت الشركة إنها أصلحت العطب، لكن بعض مواقع الويب التي تعطلت بدأت تعمل مرة أخرى اعتبارا من الساعة 9 صباحا.
واعتذرت شركة «فاستلي» التي تدير شبكة تسليم محتوى من الخوادم ومراكز البيانات، والمتسببة في هذا الانقطاع الكبير عن الخطأ المكلف، وتعهدت بأنها ستعمل على منع وقوعه مستقبلا.
ومع ذلك، فإن انقطاع الخدمة يسلط الضوء على ضعف البنية التحتية الداعمة للإنترنت ومركزيتها وقابليتها للتأثر، خاصة لموفري خدمات الحوسبة السحابية التي لا يتفاعل معها المستخدم العادي بشكل مباشر.
ماذا حدث؟
«فاستلي» هي شبكة لنقل المحتوى تحتفظ بشبكة من الخوادم التي تنقل البيانات بسرعة من مواقع الويب إلى المستخدمين، وتعرف بأنها مقدم لخدمات «التسليم السريع للغاية» و«الأمان المتقدم».
ولكي يتم تحميل مواقع الويب وتشغيلها بالسرعة الكافية، هناك حاجة لقوة حوسبة قريبة للأشخاص الذين يرغبون في الوصول إليها، ولهذا السبب توجد شركات مثل «فاستلي، والتي تتضمن شبكتها مجموعة من الخوادم السحابية الموزعة عبر مواقع جغرافية مختلفة، لتمكن مواقع الويب من تخزين المحتوى على مقربة شديدة من مستخدميها.
ومن بين عملائها «شوبيفاي» و«ستريب» وعدد لا يحصى من وسائل الإعلام، مثل «سي إن إن» و«الجارديان» و«نيويورك تايمز»، وتنقل المحتوى لـ «إتش بي أو ماكس» و«تويتش» و«بينتريست» و«ريديت» و«سبوتيفاي» وغيرها الكثير.
وتعني طبيعة هذه الشبكة أيضا أن المشكلات يمكن أن تنتشر بسرعة وتؤثر على العديد من العملاء في وقت واحد.
في حال حادثة يوم الثلاثاء، قالت «فاستلي» إنها حددت سبب المشكلة التي أدت إلى حدوث اضطرابات في جميع أنحاء العالم على الفور.
وكشفت الشركة في النهاية أن العطل الذي أثر على بعض أكبر مواقع الويب في العالم كان سببه عميلا واحدا يقوم بتحديث إعداداته، وقالت إن الخلل في كود طرحته «فاستلي» قبل شهر ظل خاملا حتى حاول أحد العملاء تحديث إعداداته.
وفي الثاني عشر من مايو الماضي، بدأت الشركة نشر برنامج أدى إلى ظهور خطأ يمكن إثارته بواسطة إعدادات عميل معين في ظل ظروف محددة، وفي الثامن من يونيو، أجرى أحد العملاء تغييرا في الإعدادات تضمن الظروف المحددة التي تسببت في حدوث الخلل.
ونتج عن الخلل تعطل 85% من شبكة «فاستلي»، وتقول الشركة إنها اكتشفت الأمر في غضون دقيقة واحدة، ثم حددت السبب وعزلته، وقامت بتعطيل الإعدادات، وفي غضون 49 دقيقة، كانت 95% من شبكتها تعمل كالمعتاد، حسب موقع «أرقام».
هل من تهديد؟
في الوقت الحالي، لا يوجد سبب للاعتقاد بأن انقطاع الخدمة كان نتيجة لهجوم إلكتروني، لكن العطل يأتي وسط سلسلة من الحوادث السيبرانية الأخيرة، التي أثرت على كل شيء من إمدادات اللحوم العالمية إلى خط أنابيب نفط رئيسي في الولايات المتحدة.
ومن الواضح أيضا أن الانقطاع تسبب في فوضى مؤقتة، إذ يظهر موقع «Downdetector»، الذي يتتبع الشكاوى حول إخفاقات مواقع الويب، أن عددا كبيرا من المواقع تلقت زيادة طفيفة في الشكاوى صباح الثلاثاء، وليس فقط لوسائل الإعلام.
وتنذر حالات الانقطاع في أنظمة الدفع مثل «ستريب» والمنصات الإلكترونية مثل «شوبيفاي» أيضا إلى احتمال ضياع الأموال في المعاملات التي لم تكتمل، على الرغم من أنه من غير الواضح حتى الآن ما إذا كان هذا هو الحال.
وذكرت شركة «Kentik» لمراقبة الإنترنت، أن الانقطاع كان مسؤولا عن انخفاض بنسبة 75% في حركة المرور عبر خوادم «فاستلي».
حجم العطل وتكرره مؤخرا هو ما يدعو للقلق حقا.
وفي يوليو الماضي، أدت مشكلات الاتصال بين اثنين من مراكز البيانات التي تديرها «Cloudflare» إلى توقف العديد من المواقع لفترة وجيزة، وتسببت مشكلة معالجة البيانات لخدمات «أمازون ويب سرفيسز» في نوفمبر الماضي بمشكلات لعدد آخر من المواقع في أميركا.
هل تتكرر الأزمة؟
يقول مدير تحليل الإنترنت في شركة «كينتيك» لتحليلات الشبكات دوج مادوري: لا يوجد إنترنت خال من الأخطاء، لذا فإن مقياس النجاح هو مدى سرعة شركة إنترنت كبرى مثل فاستلي في التعافي من انقطاع نادر مثل هذا.
المشكلة الأكبر في الاعتماد الواسع للإنترنت على «عدد قليل فقط» من شبكات توصيل المحتوى «CDN» هي احتمال أن تصبح هدفا لهجوم.
تلعب هذه الشبكات دورا أمنيا حاسما من خلال منع ما يعرف بهجمات «رفض الخدمة الموزعة»، حيث يرسل الكثير من الطلبات إلى موقع ويب في محاولة لإرباك أنظمته وإغلاقه.
و«فاستلي» هي في الواقع أحد أصغر اللاعبين في سوق شبكات «سي دي إن»، وأكبرها «كلاود فلير»، التي تدعم 25 مليون موقع إنترنت بما في ذلك مواقع المقاطعات ووزارات الصحة الوطنية والشركات العملاقة مثل «آي بي إم» وغيرها.
- في معظم الأوقات، ستكون الأعطال مثل يوم الثلاثاء، إزعاجا مؤقتا، لكن الخبراء يقولون إنه لايزال هناك خطر يتمثل في استهداف لاعب أكبر مثل «كلاود فلير»، أو إصابة العديد من شبكات «سي دي إن» في وقت واحد.
- يحذر «نيك ميريل»، الزميل الباحث في مركز جامعة كاليفورنيا في بيركلي للأمن السيبراني طويل الأمد، من أنه في سيناريو ما في المستقبل، ربما تعمل روسيا أو الصين على مهاجمة «كلاود فلير» والقضاء عليها لإسقاط شبكة الإنترنت.