أصعب اللحظات: أشهد أن الموت حق، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ما أصعبها من لحظات عندما يفارقك أقرب الناس إليك وأكثرهم إخلاصا ووفاء ومحبة صادقة وأكثرهم مشاركة في تفاصيل حياتك وأخوك الذي لم تلده أمك وأبرز شركائك في عمل الخير.
رمز كبير: كان منصور الخشتي (بوسليمان) رمزا كبيرا وقامة كبرى في معالجة المدمنين، تعرفت عليه في مطلع التسعينيات، وعرض علي التطوع للعمل معي في إنقاذ المدمنين، لم أكن أعلم حينها انني أمام رجل بمعنى الكلمة، رجل يحمل بين أضلاعه قلبا كبيرا، مليئا بالعطف والحنان والرقة، سريع الدمعة، سريع الفيء عند الخطأ، يوقر الكبير، ويعطف على الصغير، فعندما كنا نختلف على أي أمر من أمور العمل، هو الذي يبادر لرأب ما بيننا.
خبيئات مع الله: كانت له خبيئات مع ربه، ولولا قربي منه لما علمت بذلك، فمن ذلك انه كانت له قائمة بالأرامل، زوجات التائبين من الإدمان من غير الكويتيات، كان يجمع لهن المساعدات، ويذهب بنفسه لإعطائهن هذه المساعدات، حتى قبيل وفاته بشهور قليلة، ولا يكتفي بإيصال المساعدات لهن، بل كان يتلمس حاجاتهن ويداعب صغارهن بهدف إدخال السرور عليهن، وعلمت انه أهدى سيارته إلى أحدهم، بعد أن علم بحاجته، وكان يتزعم جمع المساعدات للمحتاجين من داخل الجمعية وخارجها، لأنه لا يتحمل رؤية محتاج.
هواية إدخال السرور: كان (رحمه الله) يحب إدخال السرور على قلوب العمال في الوزارات وعمال النظافة، والضعفاء من الناس، وكان يطلب من أبنائه وهم صغار احترام عمال البناء عندما يأتون لبيته لإصلاح بعض الأمور، ويطلب منهم أن يقبلوا رأس الكبير منهم، بل من أعجب الأمور انه كان يقوم بعمل غداء يدعو فيه من عمل في بيته، ويأكل معهم.
الرحمة والتواضع: وكانت من خصاله الجميلة الرحمة العالية، وقد تعود تركيب المشاة في الشمس من الوافدين إلى بيوتهم، حتى وان كانت المناطق بعيدة، وفي ذات يوم اركب عاملا من الهند، وأثناء الرحلة قال له أنا لست مسلما، فرد عليه بوسليمان بما معناه الإسلام لا يفرق في مساعدة الآخرين بين المسلم وغيره، وقد تأثر هذا الراكب تأثرا بالغا لهذه الإجابة.
في ذات يوم من أيام الصيف، ذهب إلى مركز السكر لأخذ أدويته، فعندما جلس على الكرسي جاء عامل آسيوي وقدم له كأس ماء، وكعادته مد يده إلى جيبه ليعطيه، فرفض العامل المساعدة، ورد على بوسليمان: أنا لا أعطيك الماء لتعطيني مقابله مالا، أنا أعطيك لأنك تعاملني معاملة طيبة وتسلم علي وتبتسم في وجهي كل مرة.
بوسليمان عملة نادرة: كثيرون هم الأصحاب، ولكن لم أر في حياتي مثله، في زمن قل فيه الصديق الصدوق، ومن كانت فيه مثل هذه الصفات النادرة، في زمن شحت فيه مثل هذه الصفات. بوسليمان نم قرير العين في قبرك، فلقد جاءتنا البشارات تترا عند موتك، ومنها انك مت مبطونا، والمبطون شهيد، فنرجو لك الشهادة بإذن الله، وأنك كنت راضيا بقدر الله، ولم نرك إلا مبتسما راضيا، مشتاقا للقاء الله، ومنها ان الله اختارك ليلة الجمعة، وهذه من بشارات حسن الخاتمة. نم قرير العين فستشهد لك جهود عشرات التائبين، وسيشهد لك عملك الخيري الذي تركت فيه بصمات في الهند والنيبال وكمبوديا وإندونيسيا.
إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا لفراقك يا أبا سليمان لمحزونون.