الذئب حيوان يخافه الإنسان ويضرب به المثل في الغدر والوحشية، وأما الكلب فحيوان وفيٌّ مطيع، وكثيرا ما قدم الكلب خدمات جليلة للإنسان، فكان نعم الحارس لقطيعه من المخاطر ولا سيما الذئب.
كثيرا ما ضحى الكلب بنفسه ليدافع عن طفل صاحبه من أنياب الذئب، وكثيرا ما لقي حتفه من أجل شاة أوكلت إليه حمايتها، وكم قدمت الكلاب في هذا العصر من خدمات جليلة في مجالات شتى، كما في مجال الأمن ومساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة.. وبالرغم من كل ما مضى من الصفات الإيجابية التي يتصف بها الكلب، فإن الإنسان لا يقبل بحال أن يشبه بالكلب أيا كان وجه الشبه حتى وإن كان الوفاء، وفي المقابل لا يجد حرجا من أن يوصف بالذئب، بل قد يسر بذلك!
هذا الذي مضى مما هو مجمع عليه في مجتمعنا العربي، فمهما بلغ المرء من الحماقة والفظاظة لا يمكن أن يقول لأحد: يا فلان أنت أوفى من الكلب. وفي المقابل كثيرا ما نسمع من يقال عنه بأنه ذئب، فإذا بلغه هذا الوصف طأطأ تواضعا أو شمخ بأنفه، وهو في الحالين مغتبط مسرور بهذا الإطراء والمديح المزجى له.
فما الذي يا ترى رفع من قدر الذئب على ما فيه من غدر ووحشية حتى أضحى رمز العداوة عند الناس، وأزرى بالكلب وحط من قدره برغم وفائه وصداقته للإنسان؟!
إنني في الحقيقة حين حاولت أن أستكشف أغوار هذا الذي عنّ في ذهني من أمر الذئب والكلب، لم أجد فضيلة في الذئب سوى الحرية، ويا لها من فضيلة تلاشت معها كل الرذائل التي لا تنفك عنه، لقد رجحت الحرية وحدها بالذئب وسمت به وأزرت بكل ما للكلب من فضائل أحبطها ما فيه من الذل والانقياد والتبعية والطاعة العمياء.
إنها الحرية والعبودية وليس ثمة شيء آخر، ومما يدمي القلب حقا، ويجعل الفكر مقصوص الجناح، والنفس تنزف حسرات ما نراه في واقع مجتمعنا الذي علا بقدر كثير من أولئك الممسوخين الذين ليس لهم من الذئب سوى غدره، ومن الكلب سوى ذله، فلا حرية الأول، ولا وفاء ونجدة الآخر، ومع هذا وذاك إذا خطب ينكح، وإذا شفع يشفع، وإذا قال يسمع لقوله، وله في المجالس الصدارة، ويعطى حتى يرضى.. ولله في خلقه شؤون!
[email protected]