الأدب روح الحياة الشفيفة، وعقلها الوقاد، وقلبها المرهف الحساس، الأدب من البيان الذي منّ الله على الإنسان (خلق الإنسان علمه البيان).
الأدب سيوف الحق المصلطة على رقاب الباطل، تكشف الزيف بأحسن ما تقوم به الحجة من البيان المشرق الذي يطمس الباطل، فإذا هو زاهق ومجندل لا يستطيع حراكا. وكم من باطل علا ولجلج وليس له سوى سحر البيان، ولو محصته لوجدته كطبل أجوف من الحق والمنطق، ولكنه قرع بحروف تعرف كيف تلج القلوب، فولجها بضجيجه دون أن يملك المتلقي من أمره شيئا! ولذا كان خطر الأدب عظيم، فهو -بحق- سلاح ذو حدين.
الأدب دموع العشاق التي تستخرج من أعماق القلب مرهفات الأحاسيس، حروف لها حسيس فوق السطور لا تسمعها إلا النفوس التي تلتقط دبيب المشاعر، ولذا قلما تجد حرفا حانيا رقيقا يخرج من محبرة الجفاة الغلاظ أولئك الذين يزرعون الأرض من دموع المظلومين والمحرومين والمغدورين آهات وأنات مضرجة بالدم والألم..
الأدب عقل وضّاء يقتبس من آفاق الفكر نجوما تضيء للحائرين دروب الحياة الوعرة، حين تكون الأفكار ملتوية، والمعاني متضاربة، والحقائق ملتبسة.. فإن الأدب كثيرا ما أشعل الشموع التي كانت جذوتها من حرقة تجارب أصحابها، وسلافة جمر خبراتهم من كر الليل والنهار، فكانوا الرائد الذي لا يكذب حرفه لشداة الخلاص والحقيقة.
الأدب بوصلة القارئ الحصيف للوصول إلى شط الأمان، أنى كان مركبه الذي يركبه، ومجدافه الذي يجدف به في هذه الحياة، دينا وسياسية واقتصادا وتربية وأخلاقا وفكرا وفلسفة..
إن تراثنا الإسلامي العربي كنوز لا تنضب، ولكننا لم نستخرج منه سوى غرفات لا تبل الصدى، بل إن الجيل من الشباب العربي في زماننا تنكب الأدب العربي العريق، وراح يعب من مستنقعات الأدب الغربي حتى الأذقان، فمن غريق، ومن منتش ثمل لا يفقه مما يقرأ إلا قليلا قليلا..
وكم هو مخيف هذا الجيل الجديد الذي لا يقرأ سوى سخافات كثير من المتطفلين على الأدب ممن آفاق فكرهم لا تتجاوز حدود المقاهي التي تأطرت فيها ثقافتهم، فكان الجيل أشد ضحالة من فنجاين قهوتهم!
[email protected]