في كتابه «الشرق والغرب»، يعقد أحمد أمين مقارنة يمكن تلخيص فكرتها في جملة واحدة: الشرقي يُسأل لماذا فيجيب «قدر»، والغربي يُسأل لماذا فيجيب «سبب». لكنه يستدرك في الفصل نفسه قائلا: فالاعتقاد بالقدر اعتقاد صحيح لا يصح أن يمنع من العمل. قرأت هذه الفكرة في مكتبة وزارة التربية، في نسخة قديمة يحمل غلافها عنوانا مكتوبا بخط اليد، ونسخت صفحاتها بالآلة الكاتبة.
بقاء كتاب بهذا العمر بيننا اليوم قدر له أسباب واضحة: مكتبة حفظته، وعاملون تعاقبوا على العناية به، ووزارة أدركت أن بعض الأوراق لا ينتهي عمرها بانتهاء زمنها. وهذا يستحق امتنانا صريحا، فالنسخة نفسها تقول إن المعرفة لا تصلنا وحدها، بل تحتاج دائما إلى من يفتح لها بابا ويحميها من النسيان. في أروقة المكتبة لا تسكن الكتب وحدها، بل تسكن ذاكرة التربية في الكويت: مراجع وإصدارات ووثائق تكشف كيف نشأ التعليم وتطور، وما الأفكار التي وجهت مناهجه ومؤسساته. وقد لا يحتاج إلى أحد هذه المصادر إلا باحث واحد بعد سنوات، لكن قيمته لا تقاس بعدد قارئيه، بل بالمعلومة التي كان يمكن أن تضيع بغيابه. فالمكتبة المتخصصة لا تقاس بالازدحام، بل بما تمنع ضياعه، وبقدرتها على أن تضع المصدر الصحيح في يد الباحث حين يحتاج إليه، ولو بعد عقود.
وزارة التربية لم تحفظ ورقا، بل حفظت سياقا يتيح لنا فهم ما حدث ولماذا حدث. غير أن حفظ الماضي يضع أمامنا مسؤولية المستقبل. فالمكتبة تحتاج إلى فهرس إلكتروني شامل يتيح البحث في مقتنياتها، وحصر علمي للوثائق والطبعات ذات القيمة التاريخية، وعناية تحمي الأصول، ورقمنة انتقائية لما يخشى عليه من التلف، مع ربط الرصيد الورقي بالمكتبة الإلكترونية التي أطلقتها الوزارة. فوجود الكتاب على الرف يحميه، والفهرسة تجعله قابلا للاكتشاف، والرقمنة توسع الوصول إليه، والصيانة تضمن بقاءه للأجيال المقبلة.
وليس هذا نقدا لما أنجزته الوزارة، بل دعوة إلى استكماله. فالجهة التي صانت هذا الإرث طوال السنوات الماضية هي الأقدر على نقله من الحفظ الهادئ إلى الحفظ الفاعل، ومن ذاكرة تعتمد على معرفة العاملين بمحتوياتها إلى ذاكرة مؤسسية لا تضيع بتغير الأشخاص. لقد أخذت وزارة التربية بأسباب بقاء هذه المكتبة فاستحقت الشكر، ومن المهم أن تستكمل عملها بالفهرسة والصيانة والرقمنة.
فالكتب تبقى حين تنهض مؤسسات تعرف قيمتها وتأخذ بأسباب حفظها، ووزارة التربية التي تسهم في صنع أجيال الكويت جديرة بأن تحفظ ذاكرة المسيرة التي صنعت تلك الأجيال.