Note: English translation is not 100% accurate
قراءة في الأزمة السورية
28 ديسمبر 2011
المصدر : الأنباء
بقلم : بسام عبدالمجيد
ليس لصاحب رؤية سياسية صائبة أو قارئ متصالح مع التاريخ والجغرافيا أن ينكر صحة مقولة رددها الكثيرون من مراقبين ومحللين ومتابعين للأزمة السورية مفادها بأن حل تلك الأزمة لن يكون إلا سياسيا ولن تنفع كل محاولات الضغوط الخارجية التي مورست سابقا ولاتزال للآن لتقديم مشهد ونتائج مغايرة عن الحقيقية التي إن بدت في مراحلها الاولى مشوبة ببعض الغموض، إلا أنها الآن وبعد مضي عشرة أشهر أصبحت جلية وواضحة ولا تحتاج لكثير من التحليل والتمحيص لإدراك أبعادها ومرامي من حاولوا حجبها ورفضها بحجج لم تعد تنطلي على أحد مهما كابر الباحثون وراء تضخيمها أو حاول الساعون منذ انطلاق شرارة التظاهرات والاحتجاجات الاولى في منتصف مارس الفائت لإنكار معطيات واقعية فرضتها عوامل الأرض وأكدتها طبيعة الاحداث ومسارها، معطيات لم يكن التعامل معها بالأمر السهل أو العادي سواء لجانب الدولة السورية أو الشعب لأنها اعتمدت في وقودها على أدوات متطورة جدا في تأثيرها وفاعليتها داخليا وخارجيا بدءا من التعامل الاعلامي المحرض وصولا الى الدعم اللوجستي المسلح وما رافق هاتين الأداتين من ضغط إقليمي ودولي، لم تزل آثارهم شاهدة الى الآن في ظل إصرار العديد من الدول والجهات وحتى الاشخاص عبر أحكام مسبقة ومواقف مجهزة سلفا لنسف وتجاهل كل الخطوات الاصلاحية التي اتخذتها الدولة لتلبية مطالب الشعب واحتواء التطورات التي حادت عن خطها الطبيعي وأخذت جانب التخريب والتدمير لمؤسسات الدولة وارتكاب الجرائم الشنيعة بحق قوات الجيش والأمن والمدنيين الأبرياء.
بداية الأزمة
لا يمكن لنا القول إن أردنا الإنصاف ان بداية الأزمة في سورية تعود لمنتصف مارس عند خروج تظاهرات سلمية محدودة في عدد من المناطق السورية، بل في وجود أطراف استثمرت تلك الانطلاقة لتبدأ مشروعا أعدته مسبقا بهدف تطويق سورية ومحاصرتها بضرب مكوناتها الداخلية محاولة افتعال أزمة بين الدولة والشعب كانت نتيجتها أن أوصلت البلاد الى منحى خطير أخذ شكل وروح الأزمة الحقيقية التي أخذت بالتفاقم الى أن وصلت الى ما هي عليه اليوم، ولو أردنا تأكيد هذه الفرضية ليكفينا العودة الى البداية الأولى للتظاهرات ذات المطالب المحقة التي تؤكدها الاستجابة الفورية من قبل الدولة والمبادرة باتخاذ العديد من الاجراءات، بما في ذلك رفع حالة الطوارئ وإلغاء محكمة أمن الدولة العليا وإصدار مرسوم تشريعي جديد حول تنظيم التظاهر السلمي كحق من حقوق الإنسان الأساسية، ثم إصدار المراسيم المتعلقة بتشكيل اللجنة الوطنية لإعداد دستور للبلاد، وأعضاء المجالس البلدية، وقانون الإعلام، وقانون الانتخابات العامة الذي تم بناء عليه إجراء انتخابات الادارة المحلية في ديسمبر الجاري في جو تام من الحرية والديموقراطية، وكانت تحت إشراف الجهاز القضائي لأول مرة في تاريخ سورية، إضافة لإصدار قانون الاحزاب السياسية وقوانين وتشريعات أخرى تتصل بمكافحة الفساد وزيادة رواتب موظفي الدولة بهدف رفع مستوى معيشة المواطنين، وإقرار إجراءات حكومية إضافية أخرى من شأنها تعزيز مسيرة الاصلاح في البلاد ومنها إصدار مرسوم يقضي بمنح أكثر من مائتي ألف من مواطني سورية الاكراد الجنسية السورية وأخيرا وليس آخرا، إصدار عفوين عامين تضمنا إطلاق سراح الموقوفين وتنفيذهما بشكل فوري.
أهداف غير إصلاحية
مقابل حزمة الإصلاحات والقوانين والقرارات التي اتخذتها الدولة السورية لاحتواء التضخم في تلك الأزمة ظهرت في البلاد وخارجها جماعات وجهات أخرى لا ترغب في الإصلاح بقدر رغبتها في ممارسة الضغط السياسي والاقتصادي على سورية لإجبارها على تغيير سياساتها الداخلية والخارجية التي تنسجم مع مشاعر وتطلعات قطاعات واسعة ومتعددة على المستويين السوري والعربي، وذلك عن طريق التخريب والتحريض وإثارة العنف والاضطرابات، وهو ما تجلى في مقاطعة المعارضة للقاء التشاوري لمؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في يوليو الماضي وخرج بتوصيات مهمة وضعت الأسس للتفاهم والحل الإصلاحي الشامل، ولم تكتف تلك الجماعات والجهات بذلك، بل تمادت في أعمال التخريب والاعتداء على مؤسسات الدولة وموظفيها والعمل الحثيث على تعطيل جميع مظاهر الحياة العامة، مثل إجبار السكان على إغلاق محلاتهم التجارية أو مصادر رزقهم في بعض المناطق، وإضعاف الاقتصاد السوري بشتى الوسائل، اضافة الى قيام بعض الجماعات المتطرفة المسلحة بالنيل من أمن واستقرار سورية لتنفيذ أجندات ترمي الى تشويه صورة سورية وإضعاف تماسكها الوطني عبر اشاعة الفوضى وتدمير المؤسسات العامة والخاصة، وخطف المدنيين من أجل طلب فدية مالية، وسرقة المواد الغذائية والوقود او منع وصولها الى بعض المدن والبلدات مثل حمص، وقتل العديد من الأفراد المدنيين والعسكريين.
تحريض ومجازر
كان طبيعيا جدا ان تكون ردة فعل الدولة السورية تجاه الممارسات غير الانسانية لتلك الجماعات المتطرفة وعناصرها المسلحة التي ارتكبت مجازر مروعة في حمص وحماة وجسر الشغور قاسية وحازمة، ولكنها بالرغم من ذلك بقيت على نهجها منذ بداية الاحتجاجات بممارسة أقصى درجات ضبط النفس ممتنعة عن اطلاق النار في مواجهتها تجنبا لسقوط ضحايا مدنيين أبرياء، لكن تلك المجموعات المسلحة استمرت في استهداف وتدمير المؤسسات العامة للدولة، وإجبار بعض السكان على الانخراط في صفوفهم او مغادرة منازلهم في بعض المناطق، ونصب الكمائن وقتل المتظاهرين وعناصر من الجيش والأمن وقوات حفظ النظام في ظل تحريض اعلامي غير مسبوق على الكراهية والعنف، في بلد عرف تاريخيا بانصهار مكوناته الوطنية المتعددة على قاعدة التسامح والانفتاح، وفي ظل تشويه اعلامي للحقائق تمارسه بعض المحطات الفضائية المأجورة بهدف التعتيم على حقيقة ما يجري في سورية من جرائم هذه العصابات الارهابية وأعمالها الشنيعة، ناهيك عن مليارات الدولارات التي تم ارسالها وتهريبها الى سورية من قبل دوائر معروفة لتغذية الكراهية وتمويل الإرهاب، وبعد تيقن الدولة السورية من ان هذه القوى المتطرفة لا تريد الاصلاح وتتبع طريق العنف والارهاب، كان من الطبيعي ان تستجيب لنداءات مواطنيها لانقاذهم من جرائم هذه المجموعات وإعادة النظام العام الى ربوع البلاد وكان من نتيجة ذلك ان بلغ عدد الشهداء من قوى الجيش والأمن وحفظ النظام ما يزيد على 2000 شهيد.
ملاحقة العصابات
أمام عزم الجهات المختصة في الدولة السورية على القضاء على تلك المجموعات المسلحة وأفعالها الإجرامية، والتعامل معها وفق احكام القانون السوري المنسجم مع القانون الدولي وقانون حقوق الانسان ودور الدولة في حماية الممتلكات الخاصة والعامة، زادت تلك المجموعات من اجرامها وشناعتها ومثال هذا ما يحدث الآن في مدينة حمص وفي بعض المناطق الحدودية السورية حيث قامت هذه المجموعات بتدمير وإحراق المقار الحكومية، فيما عثرت أجهزة الأمن على كميات كبيرة من الأسلحة المتطورة المهربة عبر الحدود بما في ذلك القنابل والرشاشات وأجهزة اتصال ذات تقنية عالية، وقد اعترف الذين ألقي القبض عليهم بالجرائم التي ارتكبوها والمبالغ المالية الضخمة التي تقاضوها لقاء ما ارتكبوه من اعمال لا يمكن لأي دولة كانت قبولها او اعطاء اي مبرر لها، بما في ذلك قيامهم بقتل المتظاهرين واتهام قوات حفظ النظام بذلك لتضليل الرأي العام العالمي وتحريضه ضد سورية ولتشويه صورتها واستدعاء التدخل الأجنبي في شؤونها، وارسال تقارير كاذبة حول كل ذلك الى محطات فضائية جعلت مهمتها الأساسية ترويج الأخبار الكاذبة عن سورية والأوضاع فيها، عبر اللجوء الى مبالغات كثيرة فيما يخص تصوير الأحداث الراهنة في حين ان سورية تتعاون مع المنظمات الدولية، التي تتمتع ببعض الحيادية والموضوعية، وتسمح لها بالدخول الى اراضيها لأنها ترغب في تقديم الفرصة للدول للاطلاع على الجرائم الارهابية التي ترتكبها المجموعات المسلحة والدمار الذي تلحقه بالممتلكات الخاصة والعامة، كما انها فتحت ابوابها عدة مرات لوسائل الإعلام ودعتها لزيارة المناطق التي تشهد قلاقل وأعمال شغب وذلك للتأكد من صحة أكاذيب ودعايات فضائية التحريض على الفتنة.
تعطيل الحل
بالتزامن مع ارتفاع حدة الأحداث على الأرض السورية وفق مخطط رسم له مسبقا، دخل العنصر الخارجي على خط تعقيد الأزمة لإحباط الحل الوطني من خلال وسائل الإعلام وحملات خارجية قادتها الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الغربية ضد سورية في المحافل الدولية حيث تم تسخير مجلس الأمن لهذا الغرض، لكن المحاولة باءت بالفشل نتيجة إدراك روسيا والصين وقوى أخرى للمخاطر الكامنة في المشروع التآمري الغربي على أمن واستقرار سورية والشرق الأوسط، لتتجه بعد ذلك أنظار الغرب الى الجمعية العامة، حيث تم اصدار قرار في اللجنة الثالثة تحت عنوان ما يسمى «أوضاع حقوق الإنسان في سورية» بهدف زيادة الضغط على سورية والتضييق على الموقفين الروسي والصيني في مجلس الامن الرافضين لمشاريع الهيمنة الغربية على المنطقة العربية، لتجد الحملة الغربية التي فشلت في مجلس الامن طريقها للجامعة العربية التي استجابت للمطالب الغربية بطريقة اخلت بأحكام ميثاقها وبمسؤولياتها ازاء دولة عربية مؤسسة للجامعة، واللافت في تراتبية الأحداث هذه انه وبرغم شعور الدولة السورية بعدم وجود نوايا صادقة من قبل اطراف معينة تدفع بحركة الجامعة العربية تجاه تصعيد الأزمة الا انها اعلنت قبولها بخطة العمل، التي تم تبنيها في قطر، انسجاما مع سياستها المبدئية في تعزيز العمل العربي المشترك والانخراط الإيجابي مع الاشقاء العرب بما يخدم مصلحة سورية حكومة وشعبا، لتأتي بعد ذلك مواقف تدعو الى الصدمة والاستغراب تمثلت في اعلان فرنسا وبعض الجهات في الجامعة العربية ذاتها، عن موت تلك المبادرة بعد اقل من 48 ساعة على اعلان القيادة السورية القبول بها والاستعداد لتنفيذ بنودها، ما اكد تماما اقوال بعض المحللين والمراقبين من ان الامور مبيتة وكل ما يصدر عن الجامعة او سواها ما هو الا مجرد شكليات مضللة لإعطاء الانطباع باستنفاد فرص الحلول السياسية والديبلوماسية وتمهيد الطريق للتدخل الخارجي في سورية بصوره المختلفة، وكان ابرزه نداء الولايات المتحدة للمجموعات المسلحة بعدم تسليم اسلحتها وعدم الاستفادة من قرار العفو الصادر عن وزارة الداخلية السورية.
حرب إنسانية
لم تقف الامور لتعقيد الازمة ومحاولة اخضاع سورية عند هذا الحد بل تعدت ذلك الى استخدام مجلس حقوق الانسان والمفوضة السامية لحقوق الانسان كأداة اضافية للضغط عليها، بما في ذلك التقرير الصادر عن لجنة التحقيق الدولية الذي روجت له المفوضة السامية بقوة، ورأت فيه اوساط حقوقية وقانونية متابعة قرارا مسيسا وانتقائيا انتفت منه الموضوعية والمهنية كما هو حال تصريحات المفوضة نفسها ليصبا في تغذية الحملة التي يشنها البعض ضد سورية حيث استند التقرير والمفوضة في معلوماتهما الى شهادات سياسيين وصحافيين وممثلي منظمات غير حكومية وغير حيادية، ومجرمين وفارين من العدالة يعيشون في دول خارج سورية بعضها اطراف في الاحداث الحالية، في حين تجاهلا حقيقة الاوضاع ورفضا ما وردهما عن استعداد سورية للتعاون مع لجنة التحقيق بعد الانتهاء من التحقيقات التي تجريها لجنة التحقيق السورية في الاحداث، كما تجاهلا قيام المجموعات المسلحة بعمليات القتل وقتل المتظاهرين والنهب والتدمير والاغتصاب والتمثيل بالجثث، وتجاهلا اعترافاتهم العلنية وتأكيدات وكالات الانباء التي يعتمدان عليها بوجود مجموعات مسلحة تقتل الابرياء من مدنيين وعسكريين ورجال امن كما بالغ التقرير في اعداد القتلى من المدنيين، علما بأن اغلبهم من مؤيدي الدولة قتلتهم المجموعات المسلحة، كما قدم التقرير معلومات مفبركة عن احداث لم تتم في سورية، وسعى الى فتح الباب امام التدخل العسكري تحت غطاء حماية المدنيين.
طريق الخلاص
بناء على ما سبق يتبادر الى الذهن سؤال منطقي، ما السبيل للخروج من تلك الحالة التي وصلت إليها سورية وما الطريقة الصحيحة لإيجاد حل للأوضاع الصعبة هناك؟ بكل وضوح لن يكون ذلك ما لم تكثف الجهود الداعمة لسورية في محاربتها للإرهاب وتصديها للجماعات المسلحة، والتعامل بحيادية وموضوعية مع التطورات وتأييد سياسة الحوار والاصلاحات، علما أن الكثير من المواقف التي صدرت عن بعض الدول استندت الى معلومات مغلوطة لأن المظاهرات في معظم المناطق السورية لم تكن سلمية مطلقا اذ كان من المتظاهرين عدد كبير من العناصر المسلحة التي هاجمت وقتلت عددا من عناصر الامن والجيش واعتدت على المواطنين من المدنيين والعسكريين وعمدت الى قتلهم والتمثيل بجثتهم، وتخريب المؤسسات والممتلكات العامة والخاصة، بما فيها قطع الطريق العام الواصل بين شمال البلاد وجنوبها، يضاف الى كل هذا الجريمة الارهابية النكراء التي استهدفت لوقت قريب مقار امنية في العاصمة السورية دمشق واسفرت عن ازهاق ارواح 44 مواطنا اغلبيتهم من المدنيين وجرح ما يقارب الـ 166 آخرين وفق بيان اصدرته الداخلية السورية عقب الحادث.