Note: English translation is not 100% accurate
المقال المئة
20 أغسطس 2008
المصدر : الأنباء
بقلم : ضاري المطيري
ضاري المطيرييسعدني ويشرفني أن أكتب في الغراء «الأنباء» المقال رقم مائة، نعم يحق لي الفرح والابتهاج أن أجد الترحيب والتشجيع من الجريدة، وألاقي التبريكات والانتقادات البناءة في الوقت نفسه من القراء الكرام على ما أكتب وأعرض، لقد كان مقالي الأول بتاريخ 19/6/2007 تحت عنوان «دعوة للتخصص»، وقد سألني أحدهم حينها هل سأكمل مسيرة الكتابة؟ فقلت بإذن الله لأني أريد تأدية رسالة وليست مجرد تجربة أو تذوق.
عاهدت نفسي على حسن إعداد المقال وتقديمه على طبق جميل بعد طبخه على نار هادئة تجعل المادة سهلة في مضغها وخفيفة على القلب ومؤثرة على العقل، إعداد المقال عندي أشبه ما يكون بإعداد الوجبة من الطعام، فتجد في بداية الإعداد بروز كلمات ومضامين بروزا مستقبحا فأعمد إلى ضغطها لأغيرها إلى مرادف جميل كما أزيل بالضبط الناتئ من الطعام بإذابته بالحرارة أو عن طريق الملعقة، وقد اعتدت قراءة المقال المراد نشره مرات ومرات للتأكد من نقاوة الصورة والفكرة المراد إيصالها حتى لا أخذل قرائي، بل إني غالبا ما أطلب من الآخرين قراءة المقال لإبداء آرائهم، كما اسألهم عن مدى ملاءمة العنوان للموضوع ومدى تأثيره في الجذب، خشية من أن تكون عباراتي مبهمة ومفرداتي غامضة.
أحيانا أكتب المقال الركيك المنقوص في أسبوع وأحتاج لإعادة بنائه وترميمه إلى أسبوع آخر، بينما في أحيان أخرى أكتب المقال والمقالين بمعان راقية ومفردات جميلة في أقل من ساعة، أحيانا تتشاجر الأساليب في قلمي، فذاك أسلوب التعميم فهو يحب كلمات العموم ويدور حول الفكرة أكثر من الشخص أو الحدث المعين، بينما ذلك الأسلوب التخصيصي يسعى إلى المفردات الخاصة والصريحة الواضحة والأسماء المعينة والأماكن المحددة بُغية السرعة في إيصال الفكرة، فأقوم أنا مقام الحكم عليهما والقاضي بينهما لا آلو إلا إلى العدل بينهما وإنزالهما منزلتهما الحقيقية بحسب المقام، فأحيان أصيب فلي بإذن الله أجران، وأحيانا أجور وأظلم لطيشي وقلة بضاعتي في الكتابة، فلا تنظر ولا ترى إلى عظم الأثر وهول النتيجة، فأقع إما في التعميم المفرط وبالكلمات العائمة والتي قد تتضمن معاني لا أقصدها إطلاقا، أو أن أقع في التعيين الفاحش الذي يحوي التشهير الشنيع أو التزكية الزائفة الزائدة، بل كنت ومازلت أتوه وأحتار بين أثر الرقابة على الكتابة والمضمون والعبارة المنتقاة التي يجب أن أكتبها ليتحقق ما أردته من المقال، لذلك لا أشك في أنني استفدت وما أزال من أخطائي وهفواتي بل حتى من المنع الذي قد يطال بعض مقالاتي.
وقد وجدت عبر تجربتي قصيرة العمر أن أفضل الأحوال لكتابة المقال أن تكتبه حال تفتق الذهن بالفكرة للمرة الأولى أو عندما تطرح قضية مهمة وملحة لأنك في هذه الحال ترى الكلمات الملائمة والمعاني المناسبة التي تخص هذا الموضوع الصادق للمقال تخرج بكل يسر، لذلك من الأفضل أن تكون مع الإنسان مفكرة صغيرة أينما ذهبت حتى تقيد أفكارك ولا تضيع عليك تلك الفتوحات.
أحياناً أجد الانتقاد على المقال المكتوب في أن طريقة عرضه غير مثيرة، لا لأنه سيئ من ناحية المادة أو ركيك من ناحية مفرداته، لكنني أجيب عن شقين، أولا وهي أن الإثارة ليست مطلبا ساميا وغاية على كل حال، ثانيا أن الإثارة غالبا ما تواجه بمقص الرقابة، ولا ضير فأنا أحب الحرية المنضبطة إلى حد ما.
ومن أكثر الأمور صعوبة هو اختصار ما تريد إيصاله، حيث من الصعب أن تلغي ذلك الشاهد أو تختصر ذلك البيان أو تضغط تلك التفاصيل التي في رأيك لا غنى عنها في إيصال فكرتك المرادة، وخاصة إذا تخيلت الفئات المختلفة من القراء الذين يقرأون مقالك، فالحصيف والنبيه يريد شاهدا على تأصيلك، وهناك من يريد زيادة بيان، بينما من خصصته بالمقال وعنيته في الدرجة الأولى يحتاج إلى كل تلك التفاصيل والضوابط الدقيقة التي أردت مراعاتها.
ومن الفوائد التي استفدتها من تجربتي لكتابة المقال أن طريق الشهرة طويل وأعني الشهرة التي يحتاجها الكاتب لترويج أفكاره وإيصال صوته وليس لمجرد الشهرة والكشخة والبهرجة، إنما أقصد الشهرة كوسيلة، وأما طريق الشهرة المختصر فيكون بالطعن بالدين أو بالخوض في ذمم الآخرين أو بالإتيان بالغرائب والعجائب التي لا حقيقة لها في الواقع، لكن هذا الطريق بلا شك خطير نسأل الله العافية.