نتوازن بالمقال لإرساء قيمنا وسلوكنا على قواعدها الصحيحة، لابد أن ننسج نسيجا اجتماعيا قوامه الاحترام، فهو من الأسس الأخلاقية في كل القوانين والأعراف المجتمعية، منه تنبثق مبادئنا الرئيسية الأصيلة، ومنه تقدس كرامة الإنسان، فالاحترام بوصلة الحياة، يكمن في التقدير الصادق، وبالاهتمام الحقيقي، يكمن بالتواصل المفعم بالحب والود والوفاء، وفي العطف والتراحم والإخاء.
لكنه لا يكمن أبدا في تنميق الكلمات، أو بمختلط من الكذب والمغالطة والخداع والمجاملات.
بالاحترام نعوم في بحر الأخلاق الرفيعة، واللين والانسجام، ونعوم بلطافة المعشر وحسن الكلام، به ننظم أفكارنا، ننتقي ألفاظنا وكلماتنا، نحرص على تصرفاتنا، نتجنب خبث نظراتنا والتي بها نجرح غيرنا.
من دونه سنفتقد لمصداقيتنا ومرجعيتنا الناضجة، وستسود بيننا البغضاء والشحناء، الماحقة للكرامة والشهامة والذكاء.
فإن كنت شخصا محترما بأتم معنى الكلمة، يجب عليك ان تحترم الجميع على حد السواء (قريبا أم بعيدا، صديقا أو اخا، فقيرا أو غنيا، وجيها أم ضعيفا)، وتعاملهم بمسطرة واحدة وبمسافة ثابتة دون اي تفرقة وتحيز، بعيدا عن استفزازهم والاستخفاف بهم، فذلك يندرج في إطار حفظك لكراماتهم.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم «ان من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله».
فاحشمهم ليحشموك، كي لا تخرج أسوأ ما فيهم، ويستهويهم الغضب ويغضبوك، وبكلام الحق يجرحوك، هذا إن أردت منهم بالفعل ان يحترموك، وبالمثل يعاملوك.
لكن، لا تنتظر الاحترام من شخص لم تحترمه ولم تحترم مشاعره البتة، شخص تجاهلته، سفهته، وألجمته بسوء تقديرك، شخص لم تعر خاطره أي اهتمام، مهما كان فارق العمر بينكما، ومهما كان من انسان، قال أبو القاسم الحريري في احدى مقاماته «بل نتوازن بالمقال وزن المثقال، ونتحاذى في الفعال حذو النعال» اجلّكم الله.
ولا تتشبث بخلة واحدة من الاساءة، ناسيا خلالا كثيرة من الاحسان، محاولا الانتصار في جميع الأحيان، فقد قال الإمام الشافعي «لا تحاول الانتصار في كل الاختلافات، فأحيانا كسب القلوب أولى من كسب المواقف». ولا تصدر أحكامك على من هم حولك، ما لم تضع نفسك في مكانهم، وايقظ الدوافع النبيلة الفضيلة فيك، وادفع بالتي هي احسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم.
فالبيئة التي تندمج بالاحترام والمحبة والألفة، ستنشئ جيلا مترعرعا على القيم الجميلة الراقية، فالبذرة التي تزرع في نفوسنا منذ الصغر، ستترك اثرا رائعا في سلوكياتنا عند الكبر، تجعلنا نرتقي بتصرفاتنا، ولا نكون في اسفل المنحدر مع غيرنا في تعاملاتنا.