القهوة ليست مجرد مشروب، بل هي روح تتسلل بين القلوب، ولغة صامتة تنسج خيوط الألفة، وتجعل من كل لقاء لحظة دافئة تخلد في الذاكرة.
تتراقص رائحتها في الصباح، وترافق الهمس والضحك في المقاهي، وتختبئ بين صفحات الكتب والأحاديث الهادئة في البيوت. يوميا يشرب العالم نحو ثلاثة مليارات فنجان قهوة، لكنها ليست مجرد أرقام، بل لحظات يعيشها الناس في كل مكان، من المنازل إلى القطارات، ومن المقاهي إلى الطائرات، لترتبط القهوة بالحداثة والذكريات معا.
قهوة المرتفعات.. نكهة السماء
أول من زرع البن وصدره إلى العالم كانت اليمن، حيث تنمو أشجار البن في مرتفعات السروات الشاهقة، في حراز وعتمة وآنس، على ارتفاع يفوق 3200 متر، حيث الهواء نقي والطقس بارد ورطب، فيخلق توازنا مثاليا لحبوب البن لتكتسب مذاقها الفريد.
وفي كولومبيا، تتسلق حبوب «الأرابيكا» قمم الأنديز العالية، وتستمد قوتها وسحرها من مقاطعة كالداس قرب بوغوتا، على ارتفاع 5900 قدم، حيث تنتج قهوة «ماستر أوريجين» الشهيرة، لترسم كل رشفة منها لوحة من النكهة والجمال.
فنجان من الهوية
ففي أغلب دول العالم العربي، لا تشرب القهوة فقط، بل يحتفى بها. في الكويت ودول الخليج العربي تقدم القهوة العربية بالهيل والزعفران في دلال نحاسية، ويرافقها التمر في المجالس العامرة بالكرم، أما في المغرب فتخلط القهوة أحيانا بالتوابل، وتقدم في طقوس تجمع بين الأصالة والدفء.
التغيرات المناخية.. تحدي الطبيعة
لكن هذه الجواهر الطبيعية ليست بعيدة عن التحديات، فالتقلبات المناخية تهدد أشجار البن الحساسة، وموجات الصقيع قد تدمر محصول العام، كما يحدث حاليا في البرازيل، أكبر منتج للقهوة في العالم. كل ذلك يجعل من فنجان القهوة لحظة ثمينة، ويعطيها قيمة أكبر مع ارتفاع الأسعار وتراجع الإنتاج.
القهوة حول العالم
البرازيل، فيتنام، كولومبيا، إندونيسيا، إثيوبيا، الهند، المكسيك، غواتيمالا، بيرو، هندوراس… هذه الدول تحمل في أراضيها بذور السحر التي تصل إلى كل زاوية في العالم. وفي عام 2024، بلغت قيمة تصدير حبوب البن نحو 51 مليار دولار، لتصبح القهوة ثاني أكثر السلع تصديرا بعد النفط.
أما في العالم العربي، فتتصدر الجزائر، والسعودية، والمغرب، والأردن قائمة عشاق القهوة، حيث يصبح الفنجان رحلة صغيرة بين الحواس والخيال.
في عام 2024، بلغت قيمة تجارة القهوة عالميا أكثر من 465 مليار دولار، لتصبح ثاني أكبر سلعة تداولا بعد النفط. ويعتمد نحو 125 مليون شخص حول العالم على القهوة كمصدر رزق، من الزراعة إلى التوزيع والتجارة.
وشهدت الأسواق تقلبات غير مسبوقة، حيث ارتفعت أسعار الأرابيكا إلى 3.44 دولارات، للرطل، وهو أعلى مستوى منذ 15 عاما، بينما وصلت أسعار الروبوستا إلى 5694 دولارا للطن في السوق الأوروبية. هذه الارتفاعات جاءت نتيجة الجفاف في البرازيل والأمطار الغزيرة في كولومبيا، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج وارتفاع الاسعار.
عزيزي القارئ، في كل مرة تصعد فيها رائحة القهوة إلى الأنفاس، وتداعب يداك دفء فنجانك، تذكر أن هذا السحر حي، وأن كل رشفة تحمل قصة المكان والزمان، وأنه مع تغير المناخ والأسعار، قد تصبح هذه اللحظات أكثر قيمة ونادرة.
HamadMadouh@
[email protected]