الفرعونية مصطلح لظاهرة استمدت مسماها ممن جسد حقيقتها السيادية المتسلطة على أرض الكنانة وبالذات فرعون مصر الذي تصدى نبي الله موسى عليه السلام لظلمه وجوره (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين) (القصص: 4).
الفرعنة وإن كانت حالة يتبادر الذهن حين الحديث عنها إلى مصاديقها الواقعية من الحكام المستبدين سواء المعاصرون أو من طواهم التاريخ إلا أنها تصح كمسمى لكل مستبد صغيرا كان أو كبيرا في حجم مسؤوليته.
قد يتفرعن الرجل على زوجته وعياله بسيادية مطلقة لا تترك مجالا لقوامة الرعاية والرحمة التي حمّله الله مسؤوليتها تجاه أهله ومن يعول من أبنائه، وتتحول دائرته الأسرية إلى ترجمة عملية كاملة لإرادته صحيحة كانت أو خاطئة، ورغباته وأهوائه دون أن يشاركه أفرادها المقهورون في رسم حياتهم بشيء من قناعاتهم الذاتية، وإن حاولوا ذلك تنالهم منه سياط القسوة والقهر، فهو فرعون بمعنى الكلمة.
وقد تتمثل العقدة الفرعونية في مدير أو مديرة مدرسة أو رئيس شركة أو مؤسسة، فيحكم بها الأفراد الذين يخضعون لإدارته على مستوى الرأي والتطبيق وفق قاعدة (قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) (غافر: 29)، وكلما كبرت واتسعت الدائرة البشرية التي تخضع لمسؤولية وإدارة الفرعون، تعاظم حجم الخطر والنتائج السلبية لظلمه، وبالنتيجة السببية للقوانين الإلهية ليس فقط فرعون دولة سيغرقه بحر ماء أو بحر شعب غاضب مظلوم، وإنما كل فرعون سيغرق في بحر ظلمه، فذلك الأب والزوج الظلوم قد أرتنا الحياة كيف غرق في ظلمات العقوق والإهمال من أهله وأبنائه، وفرعون مؤسسة العمل قد غرقت سفينته بتفككها بحصاد خسارة وفشل الرأي الأوحد.
وهاهي رياح التشرذم والغضب تهب على العالم العربي والإسلامي في تحد بالغ الخطورة لحكامه وشعوبه، رياح تزجي سحبا سوداء بنذر الغرق الذي سبق أن ابتلع زين العابدين بن علي وحسني مبارك حاكمي تونس ومصر السابقين، وقدمت فيه قرابين الشهداء في البلدين، ومازالت أمواج الغضب العارم المغرق تصرخ: هل من مزيد؟ ولا ينجي منها إلا التصالح، تصالح الشعوب مع بعضها البعض على المصالح المشتركة لمواجهة العدو الحقيقي لهم جميعا، وتصالح الحكام مع شعوبهم.
[email protected]