العلاقة الجدلية حقيقة قائمة بين السلطة التنفيذية ـ المنوط بها إدارة شؤون البلاد ـ والسلطة التشريعية التي يتعين عليها إلى جانب التشريع الرقابة بمعيار تطبيق القوانين وتنفيذ الخطط، وهذه العلاقة تتصف بكونها طبيعية متى ما أنتجت واقعا ملموسا في سيادة القانون وإنجازا واضحا في الترجمة العملية للبرامج والخطط المرسومة، أما أن تتحول هذه العلاقة بين الحكومة والبرلمان إلى صراع ضار يعمل من خلاله كل طرف على إسقاط الآخر منشغلا عن مهامه الأساسية ومعرضا مصالح الوطن واستقراره للخطر والاستغلال، وحينما تصل الممارسات السياسية إلى مثل هذه الخطوط الحمراء التي وصلنا إليها حاليا فلابد أن نقف لنشخص حالتنا السياسية ونعمل على تقويمها بروح وطنية جادة وبصدق وإخلاص.
صفة الرشد كما تطلق على الفرد كذلك تصح وصفا للمجتمع ونعتا لطبيعة تصرفاته، والمجتمع الراشد هو ذلك الذي يسير نحو أهدافه ومصالحه العليا التي تسالم عليها بسياسات وممارسات توصله لتحقيق هذه الأهداف بأكبر قدر من المكاسب وتجنبه الأضرار والأخطار الداخلية والخارجية منها، فكيف نحصن حالتنا السياسية من طوارئ الهياج الانفعالي الذي بات يعصف بها ويعرض أمننا وجميع مصالحنا للتهديد والانتهاك؟.. كيف يمكن استبدال ذلك بممارسات سياسية راشدة وناضجة؟.. هل يمكن تحقيق ذلك بتكوين لجنة أو لجان من أهل الرأي والبصيرة لتشخص العلل القائمة وتقدم لنا الحلول الناجعة؟ وإذا حققت هذه الآلية نفعا فهل تكفي وحدها لإنقاذنا؟.. لقد جربنا سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي مثل هذه اللجان الاستشارية من الشخصيات الوطنية الناضجة والمخلصة، ولكن لم يتغير من واقع تخبطنا السياسي والاقتصادي شيء.. فالآراء الصائبة إن لم تملك ضمانات ملزمة لتطبيقها وتحويلها إلى واقع لن تجدينا نفعا.
ترشيد الشعب في ممارسة حراكه السياسي، وترشيد العمل النيابي لممثليه، يحتاجان إلى قدوة عملية من القيادة التنفيذية المتشخصة بحكومته، وانتهاك مجلس الأمة من قبل نوابه يوم الأربعاء الحزين والذي يرفضه كل مواطن غيور على دستوره وبرلمانه، هو مؤشر لمستوى الحالة العبثية التي طالت العمل النيابي ويعبر في الوقت نفسه عن فقدان الأداء الحكومي المحقق لطموحات شعبه لسنوات طويلة مما قد يعطي الفرصة لمثل هذه السلوكيات السلبية التي لا يمكن أن يبررها أي مبرر.
لسنوات طويلة انتظرنا الخطة الاستراتيجية الواقعية لعمل الحكومة في قيادة مصالح الوطن والمواطنين والتي لا يمكن ترشيد العمل الحكومي بدونها، وحينما أتت خطة التنمية الخمسية ورغم أنها دون الطموح وبعيدة عن واقعية المرحلة وإمكاناتها استبشرنا بها كوليد يبشر بجهود واعدة. وقد سبق أن قدمت ورقة عمل حولها في حلقة نقاشية عقدت في جمعية المهندسين الكويتية مساء الأربعاء الموافق 16/ 12/ 2009م ذكرت فيها أن الأهداف التنموية توزعت في الإطار العام للخطة على 3 حقول: التنمية الاقتصادية، والتنمية البشرية والمجتمعية، والإدارة العامة والتخطيط والمعلومات. ولم يشتمل إطار الخطة على التنمية السياسية وترشيد العمل السياسي رغم تعاظم أهميتها في السنوات الأخيرة، وأن الخطة لابد أن تشتمل على مستهدفات تنظم العملية السياسية بما يحقق التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لتحقيق الاستقرار السياسي الذي هو الأرضية الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
واليوم بعد سنتين من إفادتي هذه أكرر أن ترشيد العمل السياسي لا يكفي فيه الحوار ولجان الحوار، بل نحتاج أن توظف هذه الآليات في إطار من الالتزام بمقرراتها الإيجابية على نحو ترسمه خطة الدولة بتشريعات تنموية هادفة ترادفها مشاريع خلق بنية ثقافية ترتقي بالممارسات السياسية إلى أخلاقيات النزاهة واحترام الآخر، ولن ينجح ذلك إلا إذا كانت الحكومة المنوط بها تنفيذ هذا الطموح رائدة في تجسيد الرشد السياسي القيادي.
[email protected]