د.خديجة المحميد
العدل حقيقة قائمة في الخلقة (والسماء رفعها ووضع الميزان)ـ الرحمن:7، فالنجوم تتحرك في مداراتها المحددة، ولو تأخرت أو تقدمت عنها قليلا فسينهدم نظام الوجود، ولو كانت المسافة بين الشمس والأرض أقل مما هي قائمة عليه لاحترقت الأرض، وبالعكس لو كانت أكثر لتجمدت.
نبات اليقطين الضعيف الذي لا يقوى على حمل ثماره الثقيلة جعله الله منبطحا على الأرض، وأوجد سبحانه أسنانا مناسبة لكل حيوان ذي أسنان.
والفك الأسفل عند الإنسان هو الذي يتحرك عند الأكل والكلام وثبت الأعلى لحماية العين والأذن والمخ.
والتدبير والفاعلية الإلهية أيضا قائمة بالعدل (شهد الله أنه لا إلٰه إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط )ـ آل عمران: 18.
العدل من أسماء الله الحسنى وهو في الأصل مصدر وضع موضع العادل فجعل المسمى نفسه عدلا لأنه أبلغ في التعبير.
وقد أمر العدل سبحانه بإقامة النظام البشري وتنظيم الحياة الإنسانية على أساس العدل والقسط (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) ـ الحديد:25.
العدل لكي تقوم عليه حياتنا نحتاج إلى أن يغرس كقيمة ثابتة في الأبناء من خلال الأسرة وفي المجتمع من خلال الدولة.
ليجسد الأبوان العدل في سلوكهم، وفي تربيتهم لأبنائهم، فلا يميزوا أيا منهم على الآخر، وينصفونهم بمراعاة الفروق الفردية في الذكاء والقدرة والميول، فلا يقارنوا بينهم مقارنة التفضيل، ولا يكلفوا أحدهم بما يطيقه أخوه من أمر في حين أنه لا يقوى عليه، وليبتعدوا عن إثارة المنافسة بينهم فقد توغر صدور بعضهم بالحسد ورغبة التعدي على منافسه، والصحيح تحفيز كل واحد منهم بالتنافس مع ذاته بمعنى تعزيز ثقته بنفسه وتشجيعه لإنجاز إيجابي يرغبه ويشكل إضافة لشخصيته.
حدث يوما أن كتب كل من الحسن والحسين أبناء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام وهما طفلان أسماء وذهبا بالورقة إلى جدهما الرسول صلى الله عليه وسلم وسألاه عمن خطه أفضل من الآخر، فأحالهما في ذلك إلى أبيهما والذي بدوره وجههما إلى أمهما فاطمة الزهراء عليها السلام.
ماذا فعلت الأم الحكيمة؟ أخذت عقدا لها مؤلفا من 7 خرزات فسكبت خرزاته وطلبت منهما أن يرفع كل واحد منهما ما يتمكن منها، فرفع كل طفل 3 خرزات وشاءت الإرادة الإلهية أن تنقسم السابعة إلى نصفين حال انسكابها فحصل كل واحد على نصف.
فلم يقف لا الجد ولا الأب ولا الأم موقف تفضيل أي ابن على الآخر في هذا التنافس الطفولي.
ومن الأمور الهامة التي ينبغي أن يراقبها الوالدان في أبنائهم بدقة احترامهم لحقوق الآخرين وعدم التعدي عليها، وأيضا ألا يعجزوا عن استرداد حقوقهم بالطرق الصحيحة، كل ذلك من خلال تنمية حس الارتباط بالله سبحانه في عدله وطاعته وتجنب مخالفته.
أما الدولة فدورها أيضا أساسي وكبير في إرساء قواعد العدالة في المجتمع بتطبيق القانون وتنمية ضمير العدل وترسيخ ثقافة احترام القانون من خلال جميع مؤسساتها التربوية والاجتماعية والثقافية
[email protected]