بقلم: د.خديجة المحميد
حينما تعصف رياح الفتن الطائفية الهوجاء لتحرق الأخضر واليابس في المجتمعات فتجتثها من الحاضر وتلغيها من التاريخ، تتعين المسؤوليات الكبيرة في التصدي لها على الجميع أفرادا وجماعات، صغارا وكبارا، وحكاما ومحكومين. هذا وإن كانت مسؤولية الحكام والعلماء في مثل هذه الظروف تتقدم على مسؤولية كل ذي شأن باعتبار أن القادة السياسيين يملكون اليد المبسوطة والقدرة الأعلى في اتخاذ التدابير وتنفيذ القرارات العاجلة لفرض هيمنة وسيادة القانون في ضبط ومنع كل من يعمل على إشعال الفتن التي من شأنها تمزيق النسيج الوطني، والعلماء تأثيرهم نافذ في النفوس بعنوان العقيدة والشريعة الضابطة والمقومة للعقول والقلوب والسلوك.
لذا، فإنه على مستوى الحلول العاجلة التي توقف مد الخطر يتعين على السلطات التنفيذية أن تسارع في تفعيل وتطبيق القوانين التي تجرم منتهكي قانون حماية الوحدة الوطنية، وعلى العلماء أن يوضحوا للناس تكاليفهم الشرعية في وأد فتنة التنازع بتفاصيل التوجيهات القرآنية التي يجمعها عنوان (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) «الانفال 46».
الآية الكريمة توجه الجميع إلى تجنب الاختلافات المدمرة لكيانهم ووجودهم الإسلامي، وأن عليهم التزام الصبر الذي وعدهم به سبحانه أن يكونوا في معية رعايته ونصره لمقاصدهم الخيرة، إنه الصبر الإيجابي الذي يمثل الإرادة الواعية المتصدية لتحجيم النزاع وعدم تغذيته بردود الأفعال السلبية الكلامية والسلوكية، وهذا يتطلب منا انتهاج الأخلاقيات الإسلامية العالية من ضبط النفس وكظم الغيظ والحلم وعدم المساهمة في نشر قول السوء وتصرفاته للآخرين، لأن ذلك مما يفاقم ويضاعف الطاقة السلبية التي تشحن النفوس وتسوقها للتصادم.
والمطلب الحقيقي الذي يلزمنا كوقاية وكحل عميق وطويل الأمد يحمي مجتمعاتنا من شرور الفتن أن نربي أنفسنا وأجيالنا على سماحة الرحمة الإسلامية التي تحب الآخر المختلف وتتقبله كما هو لأنه إما أخ لنا في الدين أو نظير لنا في الخلقة الإنسانية المملوكة لله تبارك وتقدس ما يضفي على هذا الآخر حرمة واحتراما. هذه روحية ووجدان من وصفهم الله في سورة الفرقان بأنهم عباد الرحمن (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) إنهم يقابلون السيئة بالحسنة بطريقة ادفع بالتي هي أحسن هذا لأنه (لا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) «فصلت 34».
هذه المنهجية الأخلاقية الإيجابية هي المنهجية الإسلامية التي ينبغي أن يتحمل مسؤولية زرعها وبنائها في مجالات تربية وتعليم الأجيال الحكومات وعلماء الأمة ومؤسسات المجتمع المدني بخطط محكمة وجهود متضافرة، والتهاون في أداء هذا الواجب والتراخي في التصدي لمثيري الفتن المتصاعدة سيغرقنا جميعا ويجعلنا في خبر كان، بل ربما لن يكون لنا موقع في مساحة هذا الخبر
[email protected]