Note: English translation is not 100% accurate
موانع المسؤولية التأديبية للموظف العام
15 سبتمبر 2011
المصدر : الأنباء
بقلم : محمود عبدالهادي
يخضع الموظف العام لعلاقة تنظيمية فيما بينه وبين جهة الإدارة تنظمها القوانين واللوائح المعمول بها في التنظيم الإداري لأي دولة، وبالتالي فإنه يترتب على هذه العلاقة جملة من الحقوق والواجبات المتبادلة بين طرفي هذه العلاقة التنظيمية (للموظف وجهة الإدارة)، ولا شك في ان المشرع قد أعطى لجهة الإدارة الوسائل القانونية لضمان حقها في احترام الموظف لواجباته تجاه الإدارة والمتمثلة في إنشائه للنظام التأديبي، والذي يسمح من خلاله بمساءلة الموظف العام على المخالفات التي تصدر منه في وظيفته وتوقيع العقوبات التأديبية بمواجهته اذا ما ثبت خطأ الموظف بإخلاله بواجبات وظيفته. إلا ان هناك بعض الحالات تتعذر فيها مساءلة الموظف عند إخلاله بواجباته الوظيفية ويكون لأسباب قهرية تفقده أهلية المساءلة التأديبية ويعتبر تحقق هذا السبب مانعا للمساءلة.
وعليه يمكن تعريف موانع المسؤولية بـ «أنها مجموعة من الأسباب التي يفقد الموظف قدرته على التمييز والاختيار تجعله غير أهل لتحمل المسؤولية التأديبية». وسنتعرض لهذا الموضوع بمبحثين نتناول في الأول طبيعة موانع المسؤولية والثاني متى تقوم هذه الموانع.
المبحث الأول: طبيعة موانع المسؤولية ان الجريمة سواء جنائية أو تأديبية تقوم على 3 أركان، الركن الشرعي وهو نص التجريم والركن المادي وهو الفعل المكون للجريمة والركن المعنوي وهو القصد، وتتعلق موانع المسؤولية بالفاعل وليس بالفعل، ذلك ان موانع المسؤولية هي الأسباب التي من شأنها إسقاط المسؤولية عن الجاني لأنها تؤثر في شرطين، وهما الإدراك وحرية الاختيار، فيؤدي الى فقدانهما او فقدان احد منهما، وهذه الأسباب شخصية تتصل بالفاعل ولا شأن لها بالجريمة ذاتها، فالجريمة تبقى في أصلها مجرمة، ومن ثم فإن التطرق لموضوع موانع المسؤولية بصفة عامة يقتضي ان تكون الجريمة قد وقعت بالفعل وان الفاعل قامت فيه علة تجعله غير أهل للعقوبة ويترتب على ذلك ان تخلف الركن المادي او الركن المعنوي لا يعدو مانعا من المسؤولية وان كان عدم توافر احدهما او كليهما يمنع من قيام الجريمة.
المبحث الثاني: قيام موانع المسؤولية: يتمثل قيام موانع مسؤولية الموظف من العقوبة التأديبية بعدة صور تتمثل في فقدان التمييز او الإدراك وفقد حرية الاختيار وسنتناولهما في مطلبين:
المطلب الأول: فقدان التمييز او الإدراك: تقوم موانع المسؤولية بسبب انعدام او نقصان التمييز او الإدراك وذلك بسبب فقد الوعي، والذي قد يكون بسبب الجنون او المرض العقلي او الغيبوبة الناشئة عن سكر غير اختياري او سكر اضطراري، ولم يعرف المشرع ما هو الجنون او المرض العقلي وإنما تركه للجهات المختصة في تحديد الجنون وتحديد عوارضه، لاسيما ان القضاء الإداري له دور في تحديد ضوابط الجنون او المرض العقلي المانع من المسؤولية سواء الجنائية او التأديبية، وقد وضعت المحكمة الإدارية العليا في مصر أوصاف وصور الجنون، حيث قضت بأن «إعفاء المجنون او المصاب بعاهة في العقل من مسؤولية ارتكاب فعل معاقب عليه ليس مرده الى مجرد إصابته بالجنون او بالمرض العقلي وإنما مرده الى ان يكون فاقدا الشعور او الاختيار وقت ارتكاب الفعل بسبب مرضه العقلي او جنونه، حيث انه اذا فقد الشعور او الاختيار فإنه لا يكون مسؤولا عما يقع منه في الفترات التي لا يثبت انه كان فاقدا أثناءها الشعور او الاختيار بسبب المرض العقلي». ويستخلص من هذا الحكم السابق ان المحكمة قد وضعت شروطا لتقرير امتناع المسؤولية بالنسبة للجنون او العاهة العقلية وهي:
1 ـ توافر الجنون أو عاهة في العقل تؤدي الى انعدام الإدراك او الاختيار.
2 ـ ان يكون توافر الجنون او العاهة العقلية وقت ارتكاب الفعل المخالف.
3 ـ يجب ان يكون فقد الشعور او الاختيار كليا وليس جزئيا.
4 ـ يجب ان يكون إثبات فقد الشعور او الاختيار عن طريق الجهات المختصة. أما بالنسبة للسكر او التخدير كمانع من المسؤولية التأديبية فيجب ان يكون السكر او التخدير ليس اختياريا بمعنى فقدان الشعور لتناول المواد المسكرة او المخدرة دون علم الموظف ولأسباب اضطرارية سواء بقصد العلاج او استعدادا لإجراء عملية جراحية او انه أكره على تناوله، فإذا توافر هذان الشرطان فلا مسؤولية على الموظف في حال ارتكاب المخالفة التأديبية وهو تحت تأثير هذا التخدير او السكر غير الاختياري.
المطلب الثاني: امتناع المسؤولية التأديبية بسبب فقد حرية الاختيار:
أولا: أمر الرئيس المباشر: نصت الفقرة الثانية من المادة 27 من قانون الخدمة المدنية رقم 15 لسنة 1979 على امتناع المسؤولية لفقد حرية الاختيار استنادا الى أوامر الرئيس الإداري.
لاشك انه من المسلم به في معظم تشريعات الوظائف العامة انها تنص على واجب طاعة المرؤوسين للرؤساء، والمشرع الكويتي كما في التشريعات الأخرى قد نص بموجب المادة 24 الفقرة الثالثة على واجب طاعة الرؤساء بموجب القوانين واللوائح، وجاءت المادة 27 المشار إليها لتنص على انه يعفى من المساءلة الموظف الذي يرتكب المخالفة استنادا الى امر صادر اليه من رئيسه اذا أثبت ان ارتكاب المخالفة كان تنفيذا لأمر مكتوب بذلك صادر اليه من هذا الرئيس بالرغم من تنبيهه الى المخالفة وفي هذه الحالة تكون المسؤولية على مصدر الأمر وحده).
وعليه أرسى المشرع مبدأ الإعفاء من المسؤولية التأديبية من جانب الموظف اذا ثبت ان الأمر الذي يشكل مخالفة تأديبية صادر له من رئيسه المباشر الذي يوجب القانون طاعته. وبموجب هذا النص يتبين ان هناك شروطا يجب توافرها لدرء المسؤولية عن الموظف وهي:
1 ـ ان يكون الأمر الصادر للموظف من رئيسه مكتوبا.
2 ـ اشتراط مخالفة الأمر لقاعدة تنظيمية آمرة.
3 ـ فردية الأمر الصادر من الرئيس.
4 ـ يجب ان يكون الأمر صادرا بالإرادة المنفردة من الرئيس.
5 ـ تنبيه المرؤوس للرئيس كتابيا للمخالفة ولا يشترط في التنبيه شكلا كتابيا محددا.
6 ـ يجب ان يكون التنبيه الصادر من الموظف للرئيس على المخالفة قبل تنفيذ الأمر المخالف وليس بعده.
7 ـ إصرار الرئيس على تنفيذ الأمر المخالف للقانون.
وبتوافر تلك الشروط يتحمل المسؤولية مصدر الأمر وليس الموظف.
ثانيا: امتناع المسؤولة التأديبية في حالات الإكراه والقوة القاهرة او الحالات الطارئة: من العوامل التي تفقد الشخص حرية الاختيار وجوده تحت إكراه سواء مادي او أدبي او حدوث قوى قاهرة او حادث طارئ، فإذا ارتكب الموظف العام المخالفة وهو تحت احد تلك الظروف، فإن حرية اختياره تكون معدومة والعدالة تقتضي انعدام مسؤوليته عن المخالفة التأديبية ويقع عبء إثبات ذلك على الموظف، وعند قيام تلك الحالات وتيقن جهة الإدارة من حدوثها فإنه يمتنع عليها مساءلة الموظف عن الفعل المخالف وسنتذكر في هذا السياق عند قيام الغزو الغاشم على بلدنا الحبيب وما ترتب عليه من مخالفات قد تكون صدرت من الموظفين نتيجة قيام هذا الظرف ففي طبيعة الحال لا يمكن مساءلتهم عنها مادامت حالة القوة القاهرة والطارئة متوافرة في تلك الفترة.
ثالثا: امتناع المسؤولية التأديبية في حالات الضرورة: يقصد بالضرورة حلول خطر لا يمكن دفعه إلا بارتكاب الفعل المخالف وغالبا ما تكون الضرورة وليدة الطبيعة، ويشترط لقيام حالة الضرورة الشروط التالية:
1 ـ وجود خطر على النفس ويشترط ان يكون جسيما على نحو يسلب حرية اختيار الموظف.
2 ـ ان يكون الخطر حالا.
3 ـ ألا يكون للموظف دخل في حدوث هذا الخطر.
4 ـ ان تكون المخالفة لازمة لدفع هذا الخطر.
5 ـ ان تكون المخالفة هي الوسيلة الوحيدة لدرء الخطر.
وبتوافر هذه الشروط فإن الضرورة التي تبيح الفعل المخالف تكون مانعا لمسؤولية الموظف التأديبية عن هذا الفعل، وينظر قاضي الموضوع لشروط قيام حالة الضرورة في كل حالة على حدة عند عرض النزاع عليه.
مدير إدارة الشؤون القانونية ـ وزارة الصحة دكتوراه في القانون العام