الرب سبحانه قسّم أرزاق العباد وفضل بعضهم على بعض، ليس لأفضلية هؤلاء على هؤلاء في القرب إليه عز وجل، لكنها حكمة بالغة وإلا لكان قارون وفرعون وهامان من خير البشر، (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ).
فمن الناس من يعمل ليله ونهاره ليأكل لقمة فقط ويطعم أهله، ومنهم من ينام على فراشه دون جهد، وتأتيه الملايين تترى، ومنهم من تقوم الثورات في بلده ويحترق الناس طلبا للقمة العيش ـ ذلك تقدير العزيز العليم ـ وفي بلدي الكويت أهلها اليوم أو غالبهم في رخاء من العيش والأمان ـ بمنه وكرمه سبحانه ـ ويتشوف كثير من الناس في البلاد أو ما جاورها وربما العالم أجمع إلى المنحة والمكرمة الكبيرة من صاحب القلب الكبير سمو الأمير حفظه الله ورعاه.
غير أن الجامع بين أصحاب القلوب النظيفة المؤمنة هي القناعة وكنزها:
خذ القناعة من دنياك وارض بها
لو لم يكن لك إلا راحة البدن
وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها
هل راح منها بغير الزاد والكفن؟
القناعة والغنى الحقيقي: هما الرضا التام بما قسم الله لك ولو كان قليلا وعدم التطلع إلى مافي أيدي الآخرين دون حق.
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعمل بمال خديجة ـ رضي الله عنها ـ فيربح مالا كثيرا لكنه لم يكن يطمع فيه.
يمر الهلال والهلال والهلال ولا توقد في بيته نار وكان طعامه الأسودين – التمر والماء- وينام على حصير يؤثر في جنبه الشريف وملوك كسرى والروم يتلذذون بالفرش ويقول لعمر: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ لأن الدنيا يعطيها الله تعالى لمن يحب ومن لا يحب، لكنها القناعة وقوة الإيمان ولو شاء لكان أغنى الناس، لكنه علم أن المال ليس هو السعادة.
ولست أرى السعادة جمع مال
ولكن التقي هو السعيد
وفي الحديث «ليس الغنى بكثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس». والقناعة عزة نفس: صاحبها حر لا يتسلط عليه أحد فلا يكون عبدا للدينار والدرهم، ولا تتغير آراؤه ومبادؤه من أجل حفنة فلوس.. كم من أناس ملكوا كثيرا، ويتمنون العافية وراحة البال، وفي الحديث «من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها».
نعم، من أخذ هذا المال بكسب حلال دون سؤال الناس واستشراف فهو البركة بحق، فهذا حكيم بن حزام ـ رضي الله عنه ـ لم يكن يأخذ شيئا من الغنائم والفيء مع أن ذلك هو حقه، وما ذاك إلا لأجل حديث سمعه فزهد بعد ذلك، «يا حكيم إن الدنيا حلوة خضرة.. إلى قوله: من أخذ هذا المال من غير سؤال ولا جمع بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى». (متفق عليه)
ونعم المال الصالح للرجل الصالح يأخذه من حله ويعرف حقه، وأنا على يقين بأن كثيرا من أهل الكويت تبرعوا وأعانوا ذوي الحاجة، حتى مع رفع التجار لأسعار بعض السلع للأسف.
اللهم ارزقنا القناعة واكفنا بحلالك عن حرامك وأغننا بفضلك عمن سواك.
إذا ما كنت ذا قلب قنوع
فأنت ومالك الدنيا سواء
صلوا على رسول الهدى.
[email protected]