في عام 1987م، خضت تجربتي الأولى في أداء فريضة الحج، وحينها كانت الرحلة محفوفة بالمساعي الشاقة والجهد الجهيد، لاسيما لمن يمم شطره نحو البقاع المقدسة مستقلا السيارة أو الحافلة، لقد كان الطواف بالبيت العتيق يتوقف مرارا وتكرارا جراء الكثافة البشرية الهائلة، ناهيك عن شعيرة رمي الجمرات التي كانت تؤلف حكاية قائمة بذاتها، فالداخل إليها مفقود والخارج منها مولود من فرط الازدحام والتدافع، ورغم تلك الصعوبات، لابد من الإشادة بالتدابير العظيمة والجهود المشكورة التي كانت تبذلها السلطات السعودية في ذلك الوقت.
ولم تكن الأجواء تخلو من بعض المناوشات السياسية التي عكرت صفو الموسم، والناجمة عن تصرفات بعض الحجاج الإيرانيين الذين دأبوا على تنظيم مسيرات مشوهة تحت مسمى «البراءة من المشركين»، وهي في جوهرها لم تكن سوى محاولات تخريبية لإفساد موسم الحج.
استمرت المملكة العربية السعودية في مسيرة البناء عبر توسعات متتالية للحرمين الشريفين (المكي والمدني)، ليتفوق كل موسم تفوقا مشهودا على ما سبقه، بيد أن ما شهدناه في موسم حج هذا العام قد تخطى حدود الوصف ليكون بحق ضربا من الخيال في منتهى الإنجاز والإبداع.
وهنا نتحدث بلغة الأرقام التي لا تقبل الشك أو الكذب، فعدد الحجاج الإجمالي مليون وسبعمائة ألف حاج، والقوى العاملة على خدمتهم قرابة خمسمائة ألف فرد، موزعين بين رجال عسكريين ومتطوعين، ما يعني تخصيص فرد واحد لخدمة كل ثلاثة حجاج، وهو معدل إعجازي لا يمكن أن تراه في أي بقعة أخرى سوى في رحاب الحج.
ويضاف إلى ذلك منظومة المستشفيات المتكاملة والطواقم الطبية المؤهلة، علاوة على أعداد غفيرة من المتطوعين الذين لم تدرج أسماؤهم ضمن الإحصاءات الرسمية.
لو عقدنا مقارنة بسيطة لمعرفة أكبر التجمعات البشرية حول العالم، لعله يتراءى لنا كأس العالم لكرة القدم كأبرز مثال، لكن عند موازنة هذا المحفل الرياضي بموسم الحج، يتضح لنا جليا وبكل سهولة كيف تفوق خدمة الحجيج أي تنظيم آخر، فأقصى ما يمكن أن يستوعبه ملعب كرة القدم مائة ألف متفرج لمشاهدة مباراة تستمر لساعتين أو ثلاث فقط، فكيف بنا أمام حشد بشري يناهز مليوني إنسان، يقيمون في المشاعر الإسلامية المقدسة على مدار أسبوع كامل؟!
إن هذا العطاء المتميز الذي تقدمه المملكة العربية السعودية وحكومة خادم الحرمين الشريفين يعود أولا وأخيرا إلى توفيق الله تعالى، ثم إلى التطبيق الدقيق لخطط إستراتيجية يتم إعدادها لكل عام فور انقضاء الموسم الذي قبله.
وحينما يشاهد المرء الأمراء والوزراء متواجدين بأنفسهم في الميدان، يستقلون القطارات والحافلات لمتابعة سير العمل شخصيا، فإن هذا يعكس بوضوح الحرص البالغ والمتابعة الحثيثة من القيادة السعودية، ممثلة في خادم الحرمين الشريفين وولي عهد الأمين، اللذين يضعان خدمة ضيوف الرحمن كأبرز المستهدفات السنوية.
إن ما تحققه حكومة المملكة على أرض الواقع يعد ردا عمليا وبليغا على كل ناعق يطالب بالمشاركة في تنظيم الحج أو يثير لغطا حوله، فالمملكة بلسان حالها ومآلها تقول لهم: شكرا لكم، وتعالوا لتروا بأعينكم هذا التنظيم الخيالي.
شكرا للمملكة العربية السعودية على هذا الإبداع، فقد غدوتم مدرسة ملهمة في حسن التنظيم وآية في التفوق والريادة، ونسأل الله العلي القدير لكم دوام التقدم والرفعة والرقي.