Note: English translation is not 100% accurate
قيولة: «شرائع إبليس»
4 يونيو 2010
المصدر : الأنباء
بقلم : صالح الشايجي
شرائع إبليس.. عنوان صادم مثير شائـن.. وأيضـا حقيقي صحيح كاشـف.. يحتمــل الوجهيــن
أدونيــس و«بــدوي الجبــل» وناقـدهمــا صالـــح عضيمــة ثلاثــة من بيت واحد ما يضفي شيئاً من الموضوعية على نقدهما
فتّش عضيمة تحت شعيرات رأس بدوي الجبل ودخل في مسامه وتوغل.. تعشّى وتمشّى.. فلم يترك له حميدة تحمـد ولا خصلة تشكر
إن صـحّ ما كتبه «عضيمة» في كتابه فهي حرب مدمرة للشاعر ولكل من قرأه وسار على نهجه
شرائع إبليس في شعر أدونيس
عنوان صادم.. مثير.. شائن.. غريب.. مستهجن.. متجن.. دعائي.. غوغائي..
وعلى الوجه الآخر..
عنوان حقيقي.. صحيح.. كاشف.. معرّ.. واضح.. صريح..
يحتمل الوجهين معا.. ابيضهما والاسود.. سلبيهما.. والايجابي..
وكل فريق وما يرى..
ولكن ما قصة هذا العنوان ذي الجملة السجعية التراثية؟
إنها وحسب جهاد فاضل ـ القبس 26/5/2010 ـ عنوان كتاب اصدره الباحث السوري والمدرس في جامعة السوربون الفرنسية، صالح عضيمة، وفيه هتك كامل لكل ستر تستر به «أدونيس»، وفضح كامل.. أو هو بالأحرى تهديد بالفضح الكامل لتاريخ «أدونيس» وخفاياه التي هدد عضيمة بالإفصاح عنها.. داعيا «أدونيس» إلى مناظرته تلفزيونيا..
و«بدوي الجبل».. أيضاً
إنها ورطة ما بعدها ورطة.. فإن صح ما كتبه «عضيمة» في كتابه.. فهي حرب مدمرة لأدونيس ولكل من قرأه وتأثر به وربما سار على نهجه..
ومما يذكره عضيمة في كتابه وهو القريب واللصيق بــ «أدونيس» ومواطنه في المنطقة ذاتها وليس في الوطن السوري على إطلاقه: ان أدونيس «شاعر ماكر» بل هو ماكر اكثر منه شاعرا.. وينسف الرواية التي أطلقها «أدونيس» حول تسميته بهذا الاسم او هذا اللقب، حيث إن أدونيس يردد انه هو من اطلق على نفسه هذه التسمية، بينما يؤكد عضيمة ان انطوان سعادة زعيم الحزب القومي السوري هو الذي اطلق هذه التسمية على «علي احمد سعيد» ليشتهر بعد ذلك بهذا الاسم المستعار، دون اسمه الحقيقي، ويورد القصة كاملة..
أما كتاب «الثابت والمتحول» وهو من أهم إصدارات «أدونيس»، فإن صالح عضيمة ينسف نسفا كاملا نسبته الى ادونيس ويقرر ان كاتب الكتاب هو «الراهب بولس تويا».. وأن أكثر شعر «أدونيس» مسروق..
كل ما سبق نشره على ذمة «جهاد فاضل».. فأنا لم أقرأ هذا الكتاب ولم أطلع عليه..
ولكنني سقته كمقدمة لما اردت الكتابة عنه.. وإن كان ما سأكتبه على صلة وثيقة وربما متطابقة مع تلك المقدمة ومضمونها..
فالموضوع هو «صالح عضيمة» نفسه.. والفكرة ذاتها.. كشف شاعر كبير وفضحه والإتيان ببينات تؤكد ما ذهب اليه، ولكن المختلف فقط هو اسم الشاعر.. فبدلا من «أدونيس» يجيء.. «بدوي الجبل»، وعوضا عن «علي احمد سعيد» يحل «محمد سليمان الاحمد»..
وكتابه عن «بدوي الجبل» سابق لكتابه عن «أدونيس» بقرابة عقدين من الزمن..
وهو كتاب لافح فاضح.. كاشف قاصف.. ناسف عاصف..
فتش تحت شعيرات رأس «البدوي» ودخل في مسامه.. وتوغل داخل جلده.. وتعشى وتمشى.. فلم يترك للـ «بدوي» حميدة تحمد.. ولا خصلة تشكر..
هذا هو «بدوي الجبل»
اسم الكتاب «هذا هو بدوي الجبل».. وصدرت طبعته الأولى.. عام 1995..
وللتدليل على قدر الحدة التي ينطوي عليها الكتاب.. اورد بعض الأبواب والتقسيمات التي احتواها هذا الكتاب الذي تزيد صفحاته على الـ 355 صفحة..
ومنها على سبيل المثال لا الحصر..
1 ـ ظاهرة النهب..
2 ـ ظاهرة الخطف..
3 ـ ظاهرة الاختلاس..
4 ـ ظاهرة الاجترار..
5ـ ظاهرة القصور في الأداء..
وسآتي على شرحها.. والمقصود بها.. وامثلة على ذلك مثلما اوردها صاحب الكتاب..
ولنقرأ ـ أولا ـ شيئا من «الإهداء» لنرى أن أول الكتاب كفر..
فلقد أهدى الكتاب إلى عدد من الشخصيات.. منهم ـ مثلا ـ جمال عبدالناصر، أو إلى «روح جمال عبدالناصر وأولاده الأعزاء الذين أسألهم ان يبتسموا حين يقول لهم قائل: لقد رجم البدوي أباكم وهجاه».
ومنهم كذلك والد البدوي.. وجاء في الإهداء..
«إلى روح العلامة الشيخ سليمان الاحمد الذي اعطاه ولده البدوي قيراطا من الاعتبار والتقدير، واعطى زعانفة السياسة وسماسرة الدين والمال زِنة الجبال وسِعة البحار من التعظيم والتبجيل ومن التزلف والتمسح».
هدم المعبد
أوّاه.. ثم أوّاه.. ماذا فعل هذا الرجل «عضيمة» بذلك الشاعر الكبير الأشم المجاهد المناضل المقارع المستعمرين؟ شاعر قال عنه الكبار من الشعراء والأدباء والنقاد قولا يخلده على رأس الشعر ويجعله رئيس ديوان العرب.. قال عنه «الجواهري» أحسست بضيق من وجوده وحسبت له «حسابا»، وقال عنه «أبوريشة»: «هو يقف في الصف الأول من شعراء العالم العربي» ويقول شكيب الجابري عن «البدوي»: شاعر فحل، ديباجته من مخمل عريق.. وقال آخرون.. وأطنبوا في المديح..
فكيف جاء «عضيمة» ليهدم المعبد على رأس هذا الشاعر الكبير.. موقد الثورات في شعره.. والثائر ضد الفرنسيين.. والمقرب من الثائر السوري العلوي الشيخ صالح العلي.. وأحد رجالات الملك فيصل.. ملك سورية.
كيف يتهمه بالخيانة وبالانحياز الى المستعمر والدفاع عنه.. والتنكر لوطنه وقومه.. وبتأييده للدولة العلوية المستقلة عن سورية؟ وهو الذي طارده الفرنسيون واعتقلوه وحكموا عليه بالإعدام.
فهل تجنى «عضيمة» على «البدوي» وادعى عليه دون بيّنة.. أم له في ذلك دلائل وشهود..؟
تعريف
هو.. محمد سليمان الاحمد ولد عام 1903.
والده الشيخ سليمان الاحمد.. علامة جبل العلويين.. وعضو المجمع العلمي في دمشق.
اطلق عليه صاحب مجلة «ألف. باء» الدمشقية لقب «بدوي الجبل» حتى عُرف بهذا الاسم.
تعرض للاعتقال من قبل الفرنسيين.. وتنقل بين السجون السورية واللبنانية.
عضو في البرلمان.. لأكثر من دورة.
ووزير لعدة مرات.
توفي عام 1981.
النهب
أما تفسير محتويات الكتاب وأبوابه، فإن ظاهرة النهب قصد بها المؤلف نهب البدوي.. أشعار غيره من الشعراء.. قدماء ومحدثين.. ويورد امثلة على ذلك، ويقول: إنه ينهب البيت كله احيانا بألفاظه وكلماته..
ويستشهد «عضيمة» بما يقارب عشرين بيتا نهبها البدوي من الشعراء الآخرين، مثبتا الى جانبها الأصل الذي نهبه البدوي.. ومنها على سبيل المثال:
ومنفرد في البيد اغرته نجمة
«فأرجله تدمى وعيناه في السما»
ثم يأتي «عضيمة» بالأصل، وهو للشاعر «خليل مطران»:
كسالك وعر راقه حسن كوكب
«فأرجله تدمى وعيناه في السما»
ويقول «البدوي»:
أبا جميل سلام الله لا كتُب
إليك تحمل أشواقي ولا بُرُدُ
وهو منهوب من قول «أحمد شوقي»:
أبا عزيز سلام الله لا رسل
إليك تحمل تسليمي ولا بُرُدُ
الخطف
ثم ينتقل إلى ظاهرة الخطف في شعر «البدوي» ليأتي بأدلة عليها، ومنها على سبيل المثال قول «البدوي»:
أبو حسان إن طغت الرزايا
تحدى الدهر و«القدر المتاحا»
وقد خطفه من قول «شوقي»:
ونستولي على العقبات إلا
كمين الغيب و«القدر المتاحا»
ويعيب «عضيمة» على «البدوي» سوء عبارته بـ «تحدى.. القدر» بينما حافظ «شوقي» على الواقعية حين استثنى «الغيب» و«القدر».
وكذلك «خطف» البدوي هذا البيت:
ونفسي لو ان الجمر مس إباءها
على بشرها الريان «لاحترق الجمر»
أما الأصل فهو:
هل الحب إلا أن قلبي لو دنا
من الجمر قيد الرمح «لاحترق الجمر»
وهو من الشعر القديم، وينسبه «ابن قتيبة» إلى «ابي صخر الهذلي»..
ويورد «عضيمة» كثيرا من امثلة «خطف» البدوي اشعار الآخرين..
الاختلاس
وبعدها ينتقل إلى ظاهرة.. «الاختلاس» ويقصد بها «اختلاس» البدوي لمعان وردت في اشعار الآخرين، ويبين ان الاختلاس احد درجات السرقة، ولكنه في قلبها.
ويورد امثلة كثيرة من ابيات يرى ان «البدوي» قد اختلس معانيها من شعراء آخرين..
مثل قول «البدوي»:
وبعض الهوى كالنور إن فاض يأتلق
وبعض الهوى كالغيث إن فاض خرّبا
والأصل عند المتنبي على النحو التالي:
فإن قليل الحب بالعقل صالح
وإن كثير الحب بالجهل فاسد
الاجترار
أما في ظاهرة «الاجترار» فإنه يورد قصائد وابياتا للـ «بدوي» اجتر فيها المعاني ذاتها وكررها في اكثر من قصيدة..
ومن هذه الظاهرة المليئة بالقصائد والإثباتات التي تؤكد «الاجترار» كما يراه المؤلف «صالح عضيمة»، أذكر هذا البيت:
وزكا فعند الغوطتين تحية
منه تمر على الصخور فتورق
ويقول «عضيمة» ان هذا المعنى قد اجتره من بيت في قصيدة اخرى وهو:
لو على الصخر نهلة من جراحي
راح مخضوضل الظلال وريقا
القصور في الأداء
وفي ظاهرة «القصور في الأداء» يعيب «عضيمة» على البدوي بعض المعاني التي وردت في اشعاره ويعتبرها قصورا في الاداء وان قدرته الشعرية قد ضعفت عن نوال المعنى الافضل والاجمل والاكمل.
ونرى في هذا رأيا خاصا بصاحبه قد لا يوافقه عليه كثير من قرائه..
المسكوت عنه
وكما ارى فإن اهم ما جاء في كتاب «هذا هو بدوي الجبل» لـ«صالح عضيمة».. هو ما نستطيع ان نطلق عليه «المسكوت عنه في حياة بدوي الجبل وتاريخه».. فهو يورد مواقف واشعارا وكتابات ورسائل، وكلها موثقة، تؤكد وقوف «بدوي الجبل» مع المستعمر الفرنسي، ومعاداته للحركة الوطنية، وهو الموقف الذي حاول «البدوي» لاحقا التنصل منه، والتملص من تلك القصائد التي امتدح فيها المستعمر الفرنسي وألّبه على بني قومه، وكذلك مناداته بانفصال «جبل العلويين» عن سورية ومباركته قيام الدولة العلوية، وانكاره لعلاقة «العلويين» ببقية الجسد السوري.
وهي كلها مواقف تنكر لها «البدوي» فيما بعد وحاول طمسها، ولكن يد «عضيمة» طالت تلك الوثائق التي تؤكد تلك المواقف للبدوي، ومنها على سبيل المثال، قصيدة «البدوي»، في مدح الفرنسي «غورو» مُنشئ دولة العلويين:
أسد أطل على الشآم فراعها
وكذا تكون مطالع الآساد
وكذلك قصيدته في مدح الفرنسيين وهجاء الثائر الشيخ صالح العلي ومنها:
مشى فيه «مغران» الشجاع بجحفل
تظلله فيه السيوف البواتر
فأورد من قاموا بنصرة «صالح»
موارد حتف ما لهن مصادر
وليث من «الإفرنس» صعب مراسه
صؤول وأفواه المنايا فواغر
تقدم تحت النار لم يثن عزمه
رصاص على فرسانه متطاير
أ «نيجر» رفقا بعد ذاك ورحمة
فأنت على ما شئت بالقوم قادر
نعم قتلوا والجهل سل سيوفهم
وهم أثموا والجهل في الإثم آمر
والقصيدة تحتوي على مديح القادة العسكريين الفرنسيين الذين نكلوا بالسوريين ومنهم ـ كما ورد في القصيدة ـ «مغران» و«نيجر».
أهل البيت
«أدونيس» و«بدوي الجبل» ومعهما ناقدهما «صالح عضيمة».. هم الثلاثة من بيت واحد، من حيث المواطنة والعقيدة، وربما ما يزيد من موضوعية المؤلف.. عضيمة أو كتابيه عن «بدوي الجبل» و«أدونيس» هو هذه المشاركة والانتساب الواحد، ولو ان هذه السهام الجارحة التي أصابت «أدونيس» و«البدوي» كان مطلقهما من يخالفها في المواطنة أو المذهب، لكان ثار بعض الشك حول ما ضمه الكتابان من آراء نقدية حادة وكشف لبعض الخفايا والاتهامات.
ولكن أن يكون الكاتب من الملة ذاتها، وراضعا من الثدي ذاته، وشاربا من العين نفسها، فهذا يضفي شيئا من الموضوعية والصدقية على ذينك الكتابين، ويبعد عن مؤلفهما شبهة التجني.
جبل الشعر
وشعر «بدوي الجبل» كثير وغزير وجزل وقوي السبك والعبارة، وإن شاب بعضه عيوب كالتي ذكرها «صالح عضيمة» فهذا لا يقلل من مكانة «البدوي» الشعرية، وعند الكثرة والغزارة في الانتاج لابد من التسامح مع بعض الهنات والسقطات والتكرار، فليس من الضرورة ان يحفظ الشاعر شعره كله، فلا يقع في التكرار، وقد تدور صورة في ذهن الشاعر، فيقوم بكتابتها ناسيا انه قد استعملها قبلا، وهذا ما يوقع بعض الشعراء في التكرار، أما النقل عن شعراء آخرين فينطبق عليه القول نفسه، فقد يكون الشاعر قد قرأ بيتا لغيره وأعجب به، وأدخله ذاكرته الشعرية، وعلى المدى يبقى البيت في الذاكرة وينمحي اسم الشاعر، او ان الشاعر ينسى ان هذا البيت ليس من ابداعاته بل هو من قراءاته.
لا أسوق هذا تبريرا للشعراء، ولكن أسوقه كاحتمال ليس بعيدا عن الصحة.
ولابد، والحديث عن «بدوي الجبل»، من الختام ببعض من قصيده الجميل:
مقتطفات من قصيدة «اللهب القدسي» للشاعر السوري محمد سليمان الأحمد أو «بدوي الجبل»:
تأنق الدوح يرضي بلبلا غردا
من جنة الله قلبانا جناحاه
يطير ما انسجما.. حتى إذا اختلفا
هوى ولم تغن عن يسراه يمناه
يضيع عني وسيم من كواكبها
فحين أرنو الى عينيك ألقاه
قلبي، وللشقرة المغناج لهفته
ليت الحنين الذي أضناه أفناه
مدلّه فيك ما فجر ونجمته؟
مولَّه فيك ما قيس وليلاه؟
أتسألين عن الخمسين ما فعلت؟
يبلى الشباب ولا تبلى سجاياه
إن كان يذكر أو ينسى فلا سلمت
عيني ولا كبدي إن كنت أنساه
يا من سقانا كؤوس الهجر مترعة
بكى بساط الهوى لما طويناه
ما راعنا الدهر بالبلوى وخمرتها
لكننا بالإباء المرّ رعناه
إن تحمل الحزن لا شكوى ولا ملل
غدر الأحبة حزن ما احتملناه
ليت الذين وهبناهم سرائرنا
في زحمة الخطب أغلوا ما وهبناه
قد هان حتى سمت عنه ضغينتنا
فما حقدنا عليه بل رحمناه
يرضيه أن يتشفى من مدامعنا
لم نبك منه ولكنا بكيناه
حسبُ الأحبة ذلا عار غدرهم
وحسبنــا عزة أنّا غفرناه