لم نر لبنانياً أو مصرياً ولا سعودياً أو بحرينياً يعاير مواطنيه بأصولهم
تحت خيمة الوطن نزعنا جلود الأجداد ولبسنا الجلد الذي أعطتنا إياه الكويت
«السياسة» رخيصة موطوءة فلا تجعلوها سبباً للتباغض بينكم
ليس كمثل التطرف مذموم...
إن التطرف مثل النار التي تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.. والمتطرف هو إنسان متآكل بطبعه.. يذوي سريعا من الداخل، وينتهي إلى لا شيء.. فلا هو حقق شيئا مما تطرف لأجله.. ولا قدر أن يجعل لأفكاره مريدين وتابعين، إلا قلة مصابة بالداء ذاته، داء الانتهاء والتلاشي والذوبان المبكر.
هو يصبو إلى المذموم.. يحاول أن يخلق حقائق، هو يتوهمها ولا وجود لها على الارض ولا في العقول الرشيدة.
هي أوهام تهدم ولا تعمر.. وتتلاشى ولا تعمر.. كتب عليها الفناء قبل أن تشم ريح الحياة، وقبل أن تعطس عطسة الايذان.
وليس حديثي هذا عن التطرف الارهابي، وحمل السلاح والمفخخات وأحزمة الموت من مكان إلى مكان، وتوزيع الموت حصصا وأنصبة بين الراغبين في الحياة والكارهين للموت، بل عنيت بحديثي هذا، التطرف الاعمى للرأي وللانتماء العرقي، ورفض الآخر الذي قد يشارك المتطرف، دينه أو مذهبه أو عرقه وهذا الامر بالغ السوء، إذا ما كان ذلك الآخر المرفوض أخا في الوطن والعقيدة!
> > >
والمتطرف طويل اللسان، عالي الصوت، جعجاع، مهذار، فاقد الحجة، باهت البرهان، فاقد البيان.. ولكنه لا يفتأ يهذر هذر الهماز اللماز الأبله المعتوه الذي لا تقيم له الارض ولا أهلها وزنا، ولا تحيطه بالاحترام ولا أدنى من ذلك.
ولكن هل عدمت الارض هذا الصنف من الدابين عليها والساعين في مناكبها سعي الاشرار والمجرمين؟ الدساسين الفتانين، الزارعين الشر والحاصدين؟
بالطبع لا.. ثم كلا.. ولم ولن.. وذلك لأنه لا زوال للجريمة عن الارض، ولا انقطاع لنسل المجرمين ولا انقضاء، وكل الذين سعوا في محاربة هذا الداء المنكر لم يسعوا من أجل قطع نسله، واجتثاث ذريته المتناسلة على فراش المتعة السرية، وإنما سعوا لمجرد إعلان الحرب عليه، وإثارة الضجيج من حوله، حتى لا يهنأ وأهله بشرعية الصمت الدال على الرضا والموافقة والمباركة.
إن الشر من عمر الارض، ومن بدء الناس فيها، والتطرف شر أصيل، لا يهبط في درجة واحدة، عن أي جريمة تسفك دما أو تنهش عرضا أو تستبيح مالا.
إنه فتنة تسري بين الناس فتوغر صدورهم، وتفتت علائقهم، وتسحق أكبادهم، والمتطرف مثل المحصّن ذاته بحزام ناسف، يحمي جسده بالموت، أو أداة الموت!
وإنه لابد ميت بيده، لا بيد «عمرو».
> > >
الأصل ليس عاراً
وإن أعجب فإنني والله لأعجب من رجل هو زعيم في قومه وكبير بين أقرانه!
شرع للأمة سنوات من عمره، وكان الدين منطقه وحجته التي قارع بها ورفعها في وجه كل من قال له: لا!..
أقبلت عليه الحياة بزهزهتها وزينها وزينتها، أرخت وما قبضت، وأنعمت وما بخلت، وفاضت وما قصّرت.
أعطته المال والجاه والصيت والسطوة، والسلطة والشهرة، ولم تدع في نفسه شهوة إلا سدتها، وكأنها تنبطح بين كفيه تقول ما يقوله المارد الجبار حبيس القمقم: «شبيك لبيك.. عبدك بين ايديك»!
فيطلب والمارد يلبي، حتى نفدت الحاجة وعجز اللسان عن الطلب!
أعجب لمثل هذا الرجل، وقد بلغ به العمر مبلغه، أن يتفرغ للقرقعة والجعجعة وطحن بائت الكلام ويابسه ورديئه، ويتعنصر ويتخنصر ويتبنصر، ويروح يرمي الآخرين بأصولهم، ويهز جذع التاريخ حتى يساقط عليه عجاف التمرات، فيرمي بها صاحبه، غير خاشع ولا حامد!
إن أصل الانسان ليس من النقائص ولا هو من العيوب، وأيا ما يكون هذا الجذر أو المنبع والمحتد، فلا هو عار ولا نقيصة!
سواء أكان هذا الاصل من صفر الوجوه أو حمرها أو سودها!
فكيف الحال حين تكون المعايرة بالاصل العراقي؟ أو الفارسي أو شمال الجزيرة أو جنوبها، او بين العرب العاربة والعرب المستعربة؟!
الحقيقة تقول ـ لا نحن ولا أي من الناطقين بها من يقول ـ إن هذه البلاد بلاد أقوام مهاجرة، وإن الاسبقية في القدوم لا تمنح درجة في سلم الوطنية! وإن كان أبي من بناة السور، فإن ابني لم ير لبنة واحدة من لبناته! فهل عظمت وطنية أبي، وانمحت وطنية ابني لأنه لم «يلحق على السور» وتوسطت درجة وطنيتي لأنني أدركت أطلاله، قبل أن تجرفها جرافة الزمن؟
> > >
سليلة الحضارات
وإن كان لنا من وطنية نتباهى بها فهي ليست بمعايرة بعضنا بعضا بالاصول وتاريخ القدوم، بل هي تكمن في الاندماج والذوبان في كأس الوطن، والامتزاج بالافكار الموحدة والمجمعة والمؤلفة. ثم لابد من مواجهة أنفسنا بسؤال نعلقه في جباهنا حتى نقرأه من وجوه بعضنا ولا نمل قراءته، وكي لا ننسى! والسؤال الواجب هو: ما الذي تفاخر به الكويت ـ تاريخيا ـ دول جوارها من عرب وعجم وترك وكرد؟ وتلك هي المكونات البشرية والاجتماعية للكويت؟ وهو ما يجب أن تفخر به الكويت كونها وارثة تلك الحضارات أو سليلتها، أخذت من حضارة الرافدين وما بين النهرين، ومن إرث الدولتين الاموية والعباسية ثم العثمانية، ومن عمقها الصحراوي الممتد أخذت ملكوت الصحراء ويباس الروح وشدة العريكة، وعبر الماء كان لها نصيب من إرث «قورش»، وممن علموا نصف الدنيا المشمسة، ومن الذين جلّوا الدين بأعظم تجلياته!
> > >
سرها سريرة في سريرتك
في الدول الاخرى لا يوجد تمايز ولا معايرة بسبب الاصل، ولا يرى بنو هذا العرق أنفسهم، أرفع درجة من أبناء العرق ذاك، حتى إن كان لدى بعضهم مثل تلك النظرة فإنه يسرها سريرة في سريرته، لا يباهي بها، ولا يجرؤ على إعلانها حتى في أضيق محيط، ولا أقول ذلك عن دول الغرب وأميركا والدول المناهضة للتمييز العنصري، بل أقول ذلك قاصدا محيطنا الخليجي والعربي، فلم نر أو نسمع لبنانيا أو مصريا، ولا سعوديا أو بحرينيا، يعايرون مواطنيهم بأصولهم!
وفي بيروت اللبنانية، ثمة حي تجاري كبير اسمه «برج حمود»، سكانه ينحدرون من أصول أرمنية، ومعظمهم لا يتقن العربية ويتكلمها مكسورة موجوعة، ورغم ذلك، لم يدر بخلد لبناني واحد، لا عاقل ولا مجنون، أن يعايرهم بأصولهم وبألسنتهم المكسرة، ولا هم ذلوا ولا انكسروا بسبب عجمة ألسنتهم، أو إحمرار بشرتهم!
> > >
سباق العقلاء والسفهاء
إن بلدان الدنيا كلها قائمة على التنوع العرقي لشعوبها، ولسنا نحن وحدنا نختص بتلك الظاهرة، حتى تعمى عيوننا عن التبصر في كيفية التعامل معها، وحتى ينغمس في هذا الدرك الموحل، ويتسابق إليه العقلاء أو من ظنناهم كذلك قبل السفهاء وجهلاء القوم والرعناء!
> > >
نفسي الموزّعة
إني لتجرحني عبارات التقاذف والتنابز، حتى إن لم تكن مصوّبة الى شخصي، ولكنها تجرحني لأنها مقذوفة حمقاء في وجه ابن من أبناء وطني، وأنا لي روح موزعة على أبناء وطني كلهم، فهم أهلي وعشيرتي الأقربون، وليس في عشيرتي أبعدون.
تآخينا تحت خيمة الوطن، نزعنا جلود الأجداد، ولبسنا الجلد الذي أعطتنا إياه الكويت، دون أن تسأل عن جذورنا لتحدد على أساسها نوع ذاك الجلد أو لونه، أو درجة جودته، وتاريخ صلاحيته.
وملأت ذلك الجلد أرواحا تواقة إلى الخير والتفاني والذوب داخل بوتقة الوطن الواحد بأهله!
وسقتنا كؤوس الحب مترعات ولم تضن أو تشح أو تبخل، ولم تمايز بيننا في أصناف الكؤوس، أو سلافاتها ورحيق حبها المكنون فيها!
إن السياسة ظاهرة اجتماعية، متبدلة متلونة متغيرة، على غير ثبات ولا مكوث، وهي أرخص ما يعرض في سوق «الخنا» وعند النخاسين، ومروجي كاسد البضاعة، فلا تجعلوا من تلك الرخيصة الموطوءة، مربط خيلكم، تتقاذفون من أجلها، وتتباغضون بسببها! تتآخون لمصلحة آنية، وتتحزبون لمنفعة، وتتحابون لمأرب، حتى إذا ما تم المراد وجبيتم ما جبيتم، تمنطقتم بالسيوف وجردتموها من أغمادها، تلوحون بها لرؤوس، كانت في ليالي الأمس تبيت على وسائدكم!
[email protected]