ستظهر فتوى تسأل عن كيفية صلاة المحتجزين واتجاه القبلة!
«عيال بطنها» سيشيرون بأصابع الاتهام إلى «المزدوجين» ويتهمونهم بالتسبب في الكارثة
استجواب وزير المناجم الكويتي بعد عودته من رحلة العمرة!
النصف المنشطر
انقطعت - أو كادت - تنقطع أنفاس العالم وهي تتابع مأساة ثلاثة وثلاثين رجلا هم ضحايا انهيار أحد المناجم في «تشيلي» الواقعة في أقصى الأرض (أميركا الجنوبية) عاشوا بين الحياة والموت لمدة سبعين يوما!
سبعون يوما في جب عميق تحت الأرض في منجم عمقه يدنو من السبعمائة متر تحت الأرض.
حين أقول العالم فأنا أستثني منه أمتنا العربية التي لا يقطع أنفاسها شيء حتى لو انشقت الأرض نصفين، نصف تزلزل واندثر وانتثر وصار ركاما من تراب، وجثثا بشرية مليارية، وموتا قضى على كل روح حية ونبتة وطير وزاحف، بشرط الا تكون أمتنا ضمن هذا النصف المنشطر المنسطر المنطمر تحت الأرض وأن تكون هي في النصف السليم الذي لم ينشطر ولم ينسطر ولم ينطمر.
> > >
الحمد لله
وأمتنا – بالتأكيد الأكيد والعلم التليد - لن تكتفي بعدم الاكتراث والاهتمام واللامبالاة، بما يحدث لغيرها من الأمم والشعوب والبلدان من كوارث ومصائب ومآس إنسانية بل هي – لعمري - ستقيم سرادقات الفرح والتهاني والأعراس لما حدث لأولئك المنكوبين، وذلك يا سادتي المؤمنين لأن تلك الأمة المبتلاة المصابة المعابة التي حلت فيها الكارثة هي أمة من المشركين والكفار، وأن ما حدث لها هو قدرة إلهية تعكس صدق الدعوات التي تطلقها مساجد أمتنا في كل صلاة، عن ضرورة قتل الكفار وتشريد شملهم وحرق زرعهم وإبادتهم عن بكرة أبيهم، حتى تخلو الأرض لامتنا المجاهدة المصابرة المؤمنة، رافعة راية الحق والعدل والسلام وما حدث ما هو إلا آية من آيات الرحمن وما على الآخرين إلا أخذ العظة والعبرة، وإلا فليبشروا بما حاق بمن سبقهم.
> > >
النجاة
المهم أن العالم الذي لا يتشفى بغيره ولا يشمت بمصيبة تصيب أحدا من أهل الأرض قاطبة، تكاتف وتعاون وتعاضد مع أولئك المنكوبين في «تشيلي» وقدمت الدول ما تستطيع تقديمه من أجل إنقاذ أرواح هؤلاء الثلاثة والثلاثين عاملا، إلى درجة أن الولايات المتحدة الأميركية استعانت ببعض خبرائها الموجودين في أفغانستان واستقدمتهم من ذلك البعيد القصي ورغم حاجة جيشها هناك إليهم، حتى يساعدوا في إنقاذ أولئك المهددين بالموت بين لحظة وأختها، فضلا عن الاستعانة بإمكانات وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» التي ساعدت على إبقاء هؤلاء العمال أحياء على مدى سبعين يوما وذلك بإمدادهم بالماء والغذاء من خلال مسبار يسبر أغوار الأرض حاملا حمولته إلى أولئك المحتجزين في الجب العميق.
وطوال هذه المدة التي استمرت لأكثر من شهرين كانت عقول أولئك «الكفار المشركين» تفكر في كيفية إنقاذ هؤلاء العمال، حتى تمكنوا من تصنيع كبسولة تخترق الأرض على مسافة سبعمائة متر عمقا للوصول إلى العمال وانتشالهم واحدا واحدا في عملية استغرقت قرابة الأربعين ساعة تابعها العالم على أعصابه المشدودة خوفا من الفشل في أي وقت أثناء تنفيذ العملية، حتى تمت العملية بسلام، والحمد لله على السلامة!
> > >
ماذا لو؟
خيالي قادني إلى فكرة ملعونة، وهي ماذا لو أن ما حدث في «تشيلي» حدث لا قدر الله في بلادنا؟ وكيف سنتعامل مع الأمر؟!
وإليكم ما توصل إليه خيالي!
البداية ستكون على شكل خبر صغير تنشره إحدى الصحف عن «انهيار أحد المناجم ووجود عمال في المنجم المنهار».
وعلى الفور سترسل وزارة المناجم تكذيبا وتطالب الصحيفة بـ «توخي الصدق والدقة، وعدم إثارة البلبلة» وسيلتقي الصحافيون وزير المعادن في المطار إثر عودته من «العمرة» ليبدأ حديثه بالبسملة والحوقلة والاستغفار ثم بالحمد لله الذي سهل له سبل «العمرة» ويستأنف حديثه بالآية الكريمة (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة..).... إلى آخر الآية الكريمة، ليؤكد بعد ذلك أن ما تداولته بعض وسائل الإعلام عن انهيار أحد المناجم هو محض افتراء وكذب وسوف نحمل الجهة الناشرة المسؤولية القانونية!
وبعد ذلك يركب الوزير سيارته مغادرا المطار مبتسما وملوحا بيمناه للصحافيين والمستقبلين، وابتسامته التي تملأ ثغره وثغور البحر الأبيض المتوسط لو وزعت على جياع أفريقيا كلهم لجعلتهم أسعد من متابعي مسلسلات رمضان وأكثر شبعا وتخمة من أجيالنا الناشئة على حب الوطن و«الهمبورغر»!
> > >
صور وانشر
في اليوم ذاته يعتلي أحد فرسان مجلس الأمة منصة الخطابة في المجلس رافضا نفي الوزير ومهددا بالاستجواب. لتتوالى بعد ذلك التهديدات بالاستجواب ما يضطر مجلس الأمة لفتح سجل خاص بالسادة النواب الراغبين في الاستجواب، والأولوية للأعلى صوتا والأكثر أوراقا ولمن بلغ سن الرشد!
> > >
الوضع
المجلس الأعلى لشؤون المناجم يعتبر نفسه في حالة انعقاد دائم لمناقشة كيفية معالجة «الوضع»، وبما أن لـ «الوضع» زمنا محددا بتسعة أشهر، فإنه سيكون في حالة «انعقاد» لينتقل بعدها إلى حالة «الوضع».
وزير المناجم الذي كان قد نفى جملة و«جاهزا» خبر الانهيار والذي عاد من «العمرة» كما ولدته أمه، عاد ليؤكد حقيقة الانهيار وليقول: كنت قد حذرت وقلت وطالبت، ولم ينس أن ينهي حديثه بآية أخرى تدعيما لحديثه الجديد وموقفه المستجد.
غير منتقبات
لجنة الظواهر السلبية ترفض الاستعانة بالمشركين والكفار لإنقاذ أبنائنا العمال وتحتسبهم شهداء عند الله وتدعو للاعتصام وإقامة الندوات بعد صلاة العشاء رفضا للاستعانة بالمشركين، ولإدانة «ما نمى إلى علمها» من وجود عاملات في صالات الألعاب غير منتقبات.
> > >
زوال إسرائيل
السيد «أحمدي نجاد» الرئيس الايراني، يدخل على الخط ويتهم «قوى الاستكبار العالمي» واسرائيل بأنها وراء عملية انهيار المنجم، ويعرض مساعدة بلاده في انتشال العمال بشرط أن تزول إسرائيل أولا.
> > >
إلى الأمام «سرت»
جامعة الدول العربية تدعو إلى اجتماع عاجل يعقد في «سرت» الى الأمام، ويتم استدعاء الطليان لإقامة خيمة تستوعب الاجتماع الطارئ وتكون على شكل منجم، فيطلب الطليان الاطلاع عن كثب على المنجم المنهار حتى تكون الخيمة دقيقة وقريبة من الواقع، فتتصل وزارة الخارجية الايطالية بوزارة الخارجية الكويتية لتسهيل مهمة وفد «الخيمة» ولكن الخارجية الكويتية تعتذر من زميلتها الايطالية بحجة «أننا بلد ديموقراطي» و«الأمة فيه هي مصدر السلطات» وبالتالي لا يمكنها تجاوز المجلس النيابي المنتخب الذي رفض منح الوفد الايطالي تأشيرة الدخول لاشتباهه في وجود امرأة ضمن الوفد يقل عمرها عن ستين سنة!
> > >
النائبات الأربع
النائبات الأربع أبين أن يمر عليهن الحدث دون تسجيل موقف، فتداعين إلى اجتماع عاجل من أجل وضع النقاط على الحروف وخرجن من اجتماعهن دون أن يضعن النقاط على الحروف، لأن لون النقاط غير مناسب لا للحروف ولا للمرحلة الراهنة التي يمر بها الوطن! وطالبن بإنزال بعض النساء الى المنجم المنهار وذلك لتحقيق مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة وحتى لا ينفرد الرجال وحدهم بالمأساة!
> > >
وللفتاوى نصيب
زوجة أحد العمال المحتجزين طلبت فتوى حول كيفية صلاة زوجها في المنجم وفي أي اتجاه تكون القبلة على مسافة سبعمائة متر تحت الأرض؟
وشقيق أحد العمال المحتجزين يستفتي أحد الشيوخ حول مواقيت الإمساك والإفطار بالنسبة للعمال «ونحن في شهر رمضان» ولم يتنبه إلى أنهم أصلا بلا ماء ولا طعام! ولم يحاول التفكير في كيفية إنقاذ حياتهم وطرق تزويدهم بالماء والغذاء!
> > >
أولوية الإنقاذ
تم تجاوز العقبات أو كثير منها وبدأت الاستعدادات لانتشال العمال بعد تعهد الدول «السنعة» بالمساعدة. وهنا ثارت معركة أخرى أشد مما سبق، ومحورها يدور حول أولوية الإنقاذ وكيف تكون الأولوية ولمن من العمال؟
وبما أن مجموعة العمال المحتجزين تمثل شرائح المجتمع الكويتي وأطيافه كافة من بدو وحضر و«عيال بطنها» و«عيال كبدها» ومن سنة وشيعة و«مفردين» و«مزدوجين»، فقد تناحر الفرقاء، فهذا يقول نبدأ بالسُّنة المتدينين حتى يسهل الله إخراج الآخرين، وآخر يقول بل نبدأ بالشيعة أتباع آل البيت والسائرين على نهجهم، وذاك يطالب بإخراج الحضر - أولا - على اعتبار أنهم بناة السور وأصحاب الأرض الأصليون وكتبة الدستور، والرابع يخطئ من سبقه ليقول إن البدو هم أولا، لأنهم هم المحاربون والمدافعون عن الكويت في حروبها كلها!
لم يتوصل الفرقاء الى حل ومازال كل فريق عند موقفه لا يتحلحل ولا يتلحلح ولا يكح ولا يتنحنح، وتدخلت الصحافة في الأمر وكذلك الفضائيات والإعلام «الفاسد» والإعلام «المملح» الذي لا يفسد!
> > >
أسباب الانهيار
وتدخل المتحدث الرسمي باسم «عيال بطنها» وأشار بأصابع الاتهام الى «المزدوجين» الذين تسببوا في تخريب تربة البلد وهذا هو الذي أدى إلى انهيارها وتسبب في وقوع تلك الكارثة! وبناء عليه لابد من سحب جنسيات «المزدوجين»!
محامي سمو رئيس الوزراء ولأنه يعتنق مبدأ «الإيد البطّالة نجسة» فإنه يتقدم برفع دعوى على «تشيلي» لأنها هي التي فتحت عيون الكويتيين على إمكانية إنقاذ عمال مطمورين تحت الأرض، ما سبب بلبلة في الشارع الكويتي الذي يشكو من الزحام وارتفاع سعر «الطماطم»!
> > >
النهاية
النتيجة أنه وبسبب عدم اتفاق الفرقاء أو «الأفرقاء» ـ على رأي اللبنانيين ـ لم تتم عملية الإنقاذ ومات جميع العمال، وأعلنت البلاد الحداد الدائم وجعلت من ذلك اليوم، يوم «عيد العمال».
و«الله يرحمنا برحمته»!
و«أشوا إن ما عندنا مناجم»!
[email protected]