ما كانـت بلادنـا الكويــت خراباً تنخرها الريح ولا نخلة عجفاء تهز أيدي القاطنات جذوعها اليابسات الخاويـات
إن لبلادكم مجداً كان أبهى وتاريخاً كان أزهى.. وصوتاً كان أصدح
لا أتسلّـــــح بالحقيقـــة لذبـــح كذبـــــة بـاردة
عُرف الكويتيون بإبداعاتهم وإنجازاتهم قبل ولادة الدستور بمئات السنين
هذا الدستور الذي حوله تختلفون ما أعظمَ الدستورَ.. في ظلاله شعبٌ على أقداره يسيطرُ
أحمد العدواني
كنا أحرارا واستعبدنا الدستور..
رأيٌ عام
بين شعر «العدواني» وقول الرأي العام.. ثمة فرق كبير وتضاد وتصادم واتجاهات متعاكسة!
مَنْ هو الصادق في ذينيك القولين؟ ومن هو الأصدق؟
مصيبة أن يكون «العدواني» هو الصادق.. وداهية دهياء أن يكون الرأي العام هو الأصدق!
على درب الظنون
ما كانت بلادنا الكويت خرابا يبابا تنخرها الريح..
ولا نخلة عجفاء تهز أيدي القانطاتِ جذوعَها اليابساتِ الخاويات.. فلا تسكب عليهن سوى شآبيب من القنوط..
ولا كانت فتاة شعثاء بأسمال بالية خرقاء.. رمدة العينين.. خاوية البطن.. هشة العظم.. مغضنة الجلد.. تسأل العابرين فتات زادهم..
ما هكذا كانت بلادنا في سابق العصر وقبل ولادة «الدستور» الذي حوله تختلفون...
وما كان «الدستور» تاجا زيّن رأس البلاد..
ولا كان خاتم عرسها.. ولا قلادة تحلي صدرها العاري.. ولا فرسا مطهمة تمتطيها بعدما شقق أقدامَها طولُ المسير بأقدام عارية على شوك الأزمنة!
ما كانت ترتدي أي حالة من تلك الحالات.. ولا تلبس أي حلة من تلك الحلل..
ولم تكن خجولة من عار ظنّه بعض عابري الطريق أنّه جَأر ببطنها ذات يوم، ليجيء الدستور يطهّر رجسها ويرفع لواء عفتها!
من سار على درب تلك الظنون كان خاطئا.. بل كان خطّاء كبيرا.
تاج الكلام
للكلام تاج فوق رأسه.. وله عرش وصولجان..
وتاج هذا الكلام المكتوب.. ما كان كتبه زميلنا «صلاح الساير» في جمعته السالفة.. وما أعقبها أيضا ليكشف للناس الكويتيين، أو ليكتشف الناس الكويتيون السادرون في طريق الدستور والساكبون على أذرعتهم بعض رذاذه.. أن بلادهم لم تأت من رحم الدستور.. وأنها لم تصرخ صرخة الحياة الأولى بعدما صاح الصائح ونادى المنادي بولادته.
بلادكم لم تكن مخبوءة في رحم الدستور.. بل هي التي حملت به وولدته على فراش الشرعية..
هي الأولى.. وهي الأوْلى..
إن لبلادكم مجدا كان أبهى.. وتاريخا كان أزهى.. وصوتا كان أصدح.. وعينا كانت أبصر..
لم تكن أقدام الكويتيين معوجة.. فقومها الدستور..
ولا عقولهم مرتجة، فصححها الدستور..
ولا عيونهم رمداء، فكحلها الدستور..
ولا أجسادهم عليلة، فطببها الدستور..
لم تكن بيوتهم قد شح فيها الزاد.. فجاعت وتضورت جوعا وبات ساكنوها على الطوى.. تغلي لهم صخورا لاتنضج..
ولم تكن شمسهم سوداء بيّضها الدستور ببهائه..
ولا قمرهم يشكو صُفرة المرض..
ولا نجماتهم عنسن في سمائهن..
الحقيقة الرنانة
هل أستأذنكم أن أصفع الوهم بحقيقة رنّانة؟ هل تسمحون لي بأن أجرف الزيف بمجرفة الحق؟
إن فعلتم ـ وأراكم فاعلين ـ فإني أقول إن الوهم الذي عشش في رؤوس كثير من شبان هذا الزمن الكويتي الملتبس يقول إن الشخصية الكويتية تبلورت ونضجت وأبدعت في ظلال الدستور!
لعمري إن ذلك وهم وافتراء.. وكذبة خجلت منها الألسنة وعافتها الآذان السامعة!
فإن كان من شخصية كويتية حقيقية.. منتجة ومبدعة وخلاقة.. فإن زمنها لم يكن عندما دق الدستور نواقيسه.. بل إن عمرها من عمر هذه الأرض.. ومنذ وطئتها القدم الأولى.. ودبت فوق ترابها..
منذ صبح ذلك التاريخ.. كان خلاقون ومبدعون ومنتجون، ترفرف فوق رؤوسهم راية الكويت..
وعُرف الكويتيون آنذاك ـ لا بدستورهم ـ بل بتجارتهم وقوافلهم الضاربة أعماق الصحراء ميمّمة صوب الرافدين وبردى والنيل.. وبمهارتهم في ركوب البحر وحذقهم في معرفة الاتجاهات ورصد حركة النجوم وتحديد مساراتهم على ضوئها..
إن سماءهم كانت مدرستهم..
أليس خلاقا من سخّر السماء مدرسة يتعلم منها؟
بنائين كانوا ونجارين وزراعين وحداة قوافل وحدادين وصناعا وأهل علم وفكر وفن وشعر.. يستجلبون الكلمة من أرحامها البعيدة.. وينسجون من سواد لياليهم عباءات لنهاراتهم..
لا أنسف بتلك الحقائق البهيات أعمدة الدستور..
ولست أتسلح بالحقيقة لذبح كذبة باردة..
ولا أشق عصا الطاعة للدستور.. ولا أخوّن من سهر عليه الليالي، يفكر ويكتب ويُقدِم ويحجم وينصاع لحق ويجأر في وجه باطل..
بل إني أنحني لأولئك الأشداء ذوي البأس الكويتيين..
أجلّ أفعالهم وأحنّي رأسي بجليلها..
ولست أيضا لاعنا للدستور ولا طاعنا بما يحوي من جميل الصفات.. وصدق الكلمات..
هو ملاذي.. وهو حصني.. وهو السد الذي يحميني من الجور إذا ما جار عليّ زمني أو جارت عليّ أزمنة الآخرين..
هو السيف الذي ألوّح به.. وأبقر به بطن يوم أرعن يسلبني حقي..
لذلك فإنني وبسيف الدستور أبقر اليوم بطون الذين خطفوا دستوري وسرقوه، ليحاربوني به.. ويجهزوا على ما تبقى لي من كرامة كويتية..
الذين جزوا الدستور وفصلوه أشلاء وراحوا يعبثون بتلك الأشلاء..
فهذا شلو عزيز نباركه صبح مساء..
نهديه وردة كل صباح ونقبل يده قبل النوم..
وذاك شلو زانٍ وابنُ زانية.. حق عليه الرجم.. فتعالوا يا قوم فارجموه..
أولئك الانتقائيون.. هم كمن يكفر ببعض الكتاب ويؤمن ببعضه..
هم يعيشون الازدواجية الكاملة.. ويرتدون الأسود والأبيض في حين واحد..
يشعلون نار التدفئة.. ويديرون أجهزة تكييف الهواء في الوقت عينه..
يعيشون الشتاء والصيف والليل والنهار والربيع والخريف في الزمن نفسه واللحظة ذاتها..
هم محبون لشيء فيمن يحبون.. لا كل شيء..
يحبون العين اليمنى.. ولا يتورعون عن فقء اليسرى..
يحبون الصدر الناهد.. ويقصون الشعر الفاحم..
يتغزلون بالشفاه.. ويكسرون الأسنان..
تلامس شفاههم الأذن ويجدعون الأنف بغلظة..
بنت الحرة وبنت الأمَة
هذه صورة تقريبية لحالة من نصبوا أنفسهم اليوم حماة للدستور.. والرافعين صحائفه..
نسوا؟ - ربما!
تناسوا؟ ربما!
إن الدستور كل لا يتجزأ.. وان مادته الأولى تتساوى من حيث الأهمية والالتزام مع مادته الأخيرة..
وان مواده كلها بنات شرعيات.. جئن من رحم واحد.. وليست هذه بنت الحرة وتلك بنت الأمَة.. وهذه بنت فراش شرعي وتلك بنت سفاح..
الدستور الذي نحب ونحترم.. هو كل لا يتجزأ.. ويرفض القسمة والانشطار..
هو إن كان للبيع يباع بالجملة لا بالتجزئة.. لكل مادة من مواده الوزن ذاته والثقل نفسه.. لم تكتب واحدة برصاص والأخرى بالذهب.. ولا تتقدم هذه على تلك ولا تتأخر الثالثة..
فهل هذا هو إيمانكم بالدستور يا «حُماته»..ويا أيها المتبتلون المبتهلون في محرابه؟!
لست أدخل في غابة النوايا لأحاكمها.. وإنني أحسن بكم النية وأعلي من قدركم وأصدق أنكم تسعون إلى حق أنتم بالغوه إن أعدتم النظر في سابق قولي حول وحدة الدستور وصححتم بشجاعة مساركم، وأعدتم النظر ودققتم في القوانين التي خرجت من مجلس الأمة على غير صفة شرعية ولا دستورية وحاولتم إبطالها لأنها كانت القبر الذي ألحد فيه الدستور دون أن تقام له صلاة الموت ودون أن يتشح أحدكم بسواد الحزن عليه أو حتى يذرف دمعة حزينة لا أخت لها..
تصدون عن ذلك الموت الإجباري والحقيقي والواقع الفعلي.. لتلطموا الخدود وتشقوا الجيوب وتدقوا الصدور على موت قد يجيء بينما هو جاء منذ زمن طويل ومن مجلس الأمة في دور انعقاده الأول.. واستمر حمل نعشه تتناقله الأكف وتحمله الأكتاف من مجلس إلى مجلس ومن دور انعقاد إلى دور آخر.. وجلّكم إن لم يكن كلكم قد حمل هراوة وهوى بها على رأس هذا الميت المسكين (الدستور) الذي تسيرون اليوم وتسيرون الصفوف تحت راية حمايته وترفعون في الهواء صوتا تريدون له صدى.. فيتأبى الصدى ويأبى أن يكون نتيجة لصوت طائش في هواء ملوث!
إنكم فيما تفعلون، تصرفون الأنظار عن حقيقة الدستور وأرديته الزاهية وما يحمل بين دفتيه من أسباب العدل والمساواة بين الناس والتي لا يطربكم ذكرها ولا يلذ لكم سماعها أو إعادة إحيائها عند من ساقهم حسن نواياهم إلى المشي في مواكبكم ويقدمون أنفسهم حطبا في نيرانكم التي لا تفتأ تسأل هل من مزيد!
والله ثم والله ووالله.. لست بذلك أجرمكم.. ولست شانئا يشنؤكم ولست طوافا في الأسواق أذمكم وأهيل تراب الألسنة عليكم، بل إنني، وأنا الإنسان الذي يرى الحق حقا فيتبعه وأنصف ولا أصنف..أقول باعوجاج سيركم وخطأ دربكم، فعودوا إلى جادة العدل وتنكبوا طريق الصواب حتى لا تضيع جهودكم سدى، وتذروها الرياح، لأن من طبع الرياح أن تذرو عن الأرض منثور هبائها، مثلما هو من طبع البحار ألا تحفظ زبدها الذي لا يمكث في الأرض الا لحظة تزبّده!
[email protected]