نصيحة مُرّة: أرجوك لا تبحث عن السعادة..السعادة.. الكذبة الوحيدة المصدّقة..
أقرب الطرق إلى السعادة..بعدم البحث عنها..
حنين وردة إلى ترابها..في أذنيك.. كلماتيأنا ابن عينيك يا حبيبة..
حرفٌ – أنا - مكتوبٌ في دفترك المدرسي..
وقافية غافية في دفتر أشعارك..
***
أنا صديق شفتيك الهامستين..
وعينيك الراكعتين..
وصديق شمسك الآيلة للسطوع..
***
هل تذكرين ضحكات كنا تقاسمناها..
وبكاء.. بلا خجل.. بكيناه..
لا نحب.. حبس الدموع..
وذكريات زرعناها..
وكلمات كتبناها.. على صفحات قلبينا..
لي في أذنيك كلمات..
ولك في قلبي..كتب مقروءات..
***
الكذبة الجميلة
السعادة في الحياة.. وهم كبير..وخيال إنساني.. وكذبة ابتدعها عقل الإنسان ليلهو بها وليجعلها هدفا مستحيل الوصول..
إنها الكذبة الجميلة..الكذبة الحميدة..
***
يولد الإنسان موعودا بالشقاء.. لا بالسعادة..
يولد بخوفه من حياة سيسعى في قادم عمره إلى تحقيق وهم السعادة فيها.. فتخونه الحياة أو هو الذي يخون نفسه لأنه يعيش يبحث عن وهم ويلحق سرابا واهما اسمه السعادة..
من أين تأتي السعادة إلى الإنسان؟.. وكيف يستطيع الإنسان تحقيقها؟ وهي وهمٌ وكذبةٌ كبرى..
***
الخائف لا يسعد ولا يمكن له أن يسعد لأن الخوف قاتل للسعادة ونقيض لها ولا يمكن للخوف والسعادة أن يجتمعا في قلب إنسان..
والإنسان كائن خائف بطبعه.. يخاف من كل ما يحيط به في حياته.. ومما لا يحيط به أيضا..
يخاف من المجهول ومن الموت ومن الفشل ومن المرض ومن الآخرين وربما من نفسه..
***
لا أقول هذا من باب التشاؤم.. ولكنني أطرح الأمر بموضوعية وبعيدا عن التهيؤات وتزييف الحقائق وإنكار الوقائع..
إنها الحقيقة الصادمة التي عاشت البشرية عمرها كله وعلى امتدادها الزمني لا تريد أن تصدقها أو تتعامل على ضوء وجودها كحقيقة لا تقبل اللبس والاشتباه.. فهي واضحة وضوحا كاملا أكاد أقول أوضح من الشمس التي تختبئ خلف الغيوم كثيرا من أيام السنة.. أما هذه الحقيقة فهي عارضة نفسها ومطلة بوجهها على الدوام.. لا تحجبها غيوم ولا سحب ولا دياجير الليل ولا سجفه السوداء.. ومن يحجبها هو الإنسان ذاته الذي يحاول أن يخفيها لأنها مرضه الدائم وعقدته الأبدية..
قد يظن ظان أو يعتقد معتقد أو يحسب ذو حسبان أنني أعكس بهذا الذي أكتبه عن عدمية السعادة.. وجهة نظري المتشائمة والسوداء أو أنني جلاب للغم منّاع للفرح..
بينما العكس يا سادتي هو الصحيح.. فأنا إنسان فرحٌ طروبٌ ضاحك.. ذو قلب أخضر وعينين تتزينان بالحياة..
أعشق نجوم الليل وأراهُنّ صويحباتي اللائي يسكبن بهاءهن المذاب في قلبي..
وأحب الزهر غافيا في أكمامه أو متزينا بصدر امرأة..
وأحب مائسات القدود..
أبحث عن الضحكة في قلب المأساة..
وأرى الجمال في الدنيا رأي العين..وأحسه وليدا يتربى بين يديّ..
ولكن طبيعتي البيضاء تلك لا تمنعني من أن أشهد بقولة الحق عند سلطان الكذب وشيطان الغفلة..
***
إن لي براهيني في قولي بعدمية السعادة في حياة الإنسان..
فجرس الحقيقة الذي يقرع في أذني وكأنه يوبّخني.. يدعوني إلى حقيقة غفلت عنها وربما كلنا عنها غافلون.. وهي تعريف السعادة ومعناها؟ وأين منشؤها؟ وكيف تنشأ؟
حتى الآن لا جواب لهذا السؤال المدوي.. لأنه سؤال عن أمر غير موجود وليس له وجود بتاتا..فكيف يمكن تعريف ما هو غير معروف وغير موجود.. وأستغرب ممن حصر المستحيلات بـ «الغول» و«العنقاء» و«الخل الوفي»، كيف لم يدرج السعادة معهم لتصير المستحيلات أربعة؟!
خدمة للحقيقة وليس من أجل تكبير عائلة المستحيلات.
فربما ظهر الغول ذات يوم.. وأطلت العنقاء ذات ليلة.. وبرز الخل الوفي في ساحة الحب..
ولكن ما هو مستحيل – حقا - ظهور السعادة في الدنيا وفي حياة الإنسان.. بل وعند جميع الكائنات الحية ذوات الأحاسيس..
***
يُنغّص الخوف من المرض حياة الإنسان.. فيبقى هذا الإنسان في خوف دائم من المرض.. والمرض شقاء وبلاء وألم ودموع وقلوب ترتعد..
وتأثير المرض لا يقع على المريض وحده.. وآثاره السلبية لا تعود بأذاها على المريض وحده.. بل إنها تأخذ في طريقها كل محبي هذا المريض من أم وأب وإخوة وأصدقاء ومعارف ومن ترتبط مصالحهم معه..
وهكذا فإننا نرى أن مرض شخص واحد انعكس بآثاره السلبية وأوجاعه على مجموعة من الناس! فأين السعادة هنا؟ قد يقول قائل إن السعادة تتحقق في حالة إبلالة هذا المريض وشفائه من المرض الذي كان صريعه ولتشفى معه الجماعة - بعد ذلك - وتسعد!
فهل في انتظار الشفاء أو تحققه سعادة.. أم أنه شقاء الانتظار والخوف المتربص..؟
في المنظور البسيط والمتواضع قد تكون الإجابة: نعم إنّ في شفاء المريض سعادة له ولمحبّيه.. ولكن من يصدق تلك الإجابة ينسى أن المريض قد صحّ وتعافى ولكن المرض مازال موجودا يجوس في الأرض.. وغدا سيكون له صريع آخر..إذن فإن السعادة لم تتحقق مادام عدوها وهو المرض موجودا يهددها ويهدد من يغتر بها ويلتحف بإزارها الكاذب..
***
هل الخوف والقلق والألم والجوع والذل والجزع والفقر والمجهول والتسلط والاستبداد سعادة؟
أليست حياة الإنسان موزّعة بين تلك المصائب كلها؟
وأليس كل إنسان منّا ضحية معدّة ومجهّزة لواحدة على الأقل من تلك المصائب.. إن لم تكن كلها أو بعضها؟ فهل من كان هذا شأنه وهذا واقعه وتلك هي محطات حياته يسعد أو يصدق أن هناك شيئا اسمه السعادة؟
وكيف يكون الخائف أو الضعيف أو المظلوم أو المتوجع أو الجائع أو من هو ضحية محتملة لواحدة من تلك المصائب.. سعيدا؟
هذا هو واقعنا نحن البشر في هذه الدنيا.. فلماذا إذن نبتدع كلمة لا معنى لها ولا وجود.. ونسميها السعادة ونجهد أنفسنا في البحث عنها والجري وراءها.. لنكون كمن يلهث وراء سراب وهو مدرك تمام الإدراك أنه يجري خلف وهم لا وجود له؟
حتى الذين يقولون إن السعادة بالإيمان..هم واهمون وربما وهمهم يفوق الوهم الآخر.. لأن للإيمان تبعاته التي تنطوي على ما يؤكد عدم وجود السعادة.. فهذا المؤمن الذي يَصدُق في إيمانه ويجهد نفسه في تطبيق ما يفرضه عليه إيمانه من عبادات وسلوك لبلوغ الإيمان الكامل الذي يضمن له دخول الجنة ويباعد بينه وبين النار.. هذا المؤمن أيضا لا يعيش حياته سعيدا.. بل هو في حالة قلق دائم.. يسيطر عليه وسواس وخوف من التقصير في طريق إرضاء الرب.. وهو - بسبب ذلك - دائم المحاسبة لنفسه خشية أن يكون قد أخل في وجه من أوجه العبادة أو أتى منكرا أغضب ربه وباعد بينه وبين الجنة التي يسعى إليها في آخرته وجهد نفسه في الدنيا في سبيل بلوغها..
وحتى الغني في غناه وانبساط الدنيا تحت يديه.. يغرف منها ما يشاء.. وينهل من عذبها ما يشتهي..ويرشف من نميرها ما يلذ له.. هو والفقير سيّان في الشقاء والبعد عن سعادة الدنيا.. لأن غناه وفسحة الدنيا أمامه لن يبعدا عنه شبح المرض أو التفكير في فقدان هذه الثروة التي استعبدته ويجهد في سبيل حفظها متنكبا أهوالا ومرتقيا صعابا حتى لا يزول ملكه وتتبدّد ثروته.. والظالم.. حاله من حال المظلوم.. فهو ليس سعيدا في ظلمه مثلما المظلوم شقي في مظلمته..
والحديث يطول ويطول..
***
فيا أيها الإنسان.. عش حياتك كما هي.. ولا تصرف منها لحظة.. بحثا عن السعادة.. عن الكذبة التي ابتدعتها..فصدقتها..
يا أيها الإنسان لا تصدّق كذبتك..
صدق حقيقة الحياة.
***
السائق
توسّدت ماضيها.. وتوسّلت يومها..
خانها الأول.. وكسرها الثاني..
أغصان جرداء..
صُفرة..
ضجر..
صوت مخنوق..
عبارة باكية..
ذاكرة نهبتها ريح الزمن..
وجه وحيد يدور بين المرايا..
يُتم..
وحدة..
***
ملت الوردة مزهريتها الكريستال..
في داخلها حنين للتراب..
استأذنت سيدتها بأن تعيدها إليه..
نظرت إليها السيدة بتعالٍ..
بتبرم قالت مستنكرة: تعافين الكريستال وتحنين إلى التراب؟! يالك من وردة سمجة وضيعة ناكرة للمعروف..
خرجت السيدة وصفقت الباب بحدة..
فتح لها السائق باب السيارة مع انحناءة تدل على الاحترام..
أين تأمرني سيدتي..؟
لا تجيب..
ظن أنها لم تسمعه..
أين تأمرني سيدتي..؟
أجابته بصوت زاعق: اخرس أيها الوقح..
سارت السيارة تتهادى في اتجاهها غير المحدد.. والسائق يركز نظره إلى الأمام..
دق جرس هاتفها النقال بأغنيتها المفضلة.. ولكنها ـ ودون أن تدري من هو المتصل ـ شتمت بأعلى صوتها وأغلقت الهاتف..دون أن ترد..
تجلس في المقعد الخلفي للسيارة.. صامتة.. سارحة.. تقلب نظرها في الأرجاء دون أن ترى شيئا..
تفتح حقيبة يدها ثم تغلقها.. ثم تفتحها وتغلقها..
لم تكن تبحث عن شيء في الحقيبة.. ولكنها تفعل ذلك لأن لا شيء آخر تفعله..
بكت..
فجأة بكت.. علا بكاؤها.. صار نواحا وعويلا..
تبكي بحرقة.. بألم.. تتشنج والآهات تخرج من صدرها حارة مؤثرة..
السائق مازال في صمته وخوفه وخرسه الذي فرضته عليه أول ركوبها السيارة..
احتار ماذا يفعل.. هل يكلمها.. يسألها عن خدمة يسديها إليها.. يأخذها إلى الطبيب.. يعيدها إلى البيت.. يتصل بأحد من أهلها.. أصدقائها..؟
مازال خائفا منها ومتعاطفا معها..يزداد ارتباكه ويتضاعف خوفه.. فلو تركها في هذه الحالة وجرى لها مكروه فسيتحمل هو المسؤولية..ولن يصدقه أحد إذا ما قال إني سكت بناء على طلبها وخشيت أن تزداد سوءا لو كلمتها..!
بكاؤها في تصاعد إلى درجة أن ركاب السيارات الأخرى بدأوا يلاحظون ويسمعون شيئا من بكائها..
نظر السائق في عداد الوقود فرآه في رمقه الأخير والإشارة الحمراء التي تدل على قرب نفاد الوقود مضاءة..
ازدادت حيرة السائق وزاد إشفاقه على سيدته.. رغم غلظتها معه وجفاء طبعها وحدتها..
فجأة نادته باسمه وبرقة واضحة قالت له.. أوقف السيارة على جانب الطريق..
نزلت واتجهت إليه وفتحت الباب الذي بجانبه.. وقالت برفق انزل يا سيدي..
نزل وهو مرتبك حائر في أمر سيدته..
قالت له: تفضل اجلس في المقعد الخلفي.. حيثما كنت أجلس..
نفذ طلبها وجلس حيث أمرته..
مد يده من المقعد الخلفي.. يناولها حقيبتها..
قالت له لا.. إن الحقيبة حقيبتك يا سيدي.. فمرني أين تريد أن تذهب؟
قال: أعتقد ان السيارة بحاجة إلى وقود..
تنهدت بحرقة وقالت - فعلا - هي بحاجة إلى وقود..
[email protected]