مهرج في حياته.. جرذ في مماته..فبمن.. وبم تباهين..؟
كيف لأب مثله..أن ينجب ابنة بغير مواصفاتك يا صفراء القلب..ما كان أبوك إلا بعيرا..وأنت دليله..
أمة تفخر بذبح العصفورة.. وتكتب تاريخها بدمها..تنثر ريشها المنتوف.. إعلاء لشرف أودعوه جسدها
تربطني بالفن صلة روحية.. وبالذات الغنائي منه.. فلذلك أنا أكثر المتضررين من انحراف الغناء العربي ودخوله في دهليز البعبعةخذي منه ما شاء لك الغوى
***
أهذا أبوك ـ الذي به تباهين ـ يا عائشة..؟
مهرج في حياته.. جرذ في مماته..
فبمن.. وبم تباهين..؟
أبأنفته الكاذبة..أم بشجاعته المرتعدة..أم ببطولاته في الهواء؟
ذلك هو أبوك يا عائشة القذافي..
***
حين دقت ساعة الحق..
عائشة القذافي
ارتعد.. وارتجف.. وتوسل «الجرذان» وقبل أحذيتهم.. كي يزيدوا بعمره ساعات ينامها نوم «الجرذان»..
خذي دمه الآسن..
ولحمه الخانز..
وعظمه المنخور..
خذي جبنه.. وكذبه.. وجرائمه ـ إن استطعت عدها ـ
باهي به وتباهي..ما شاء لك الغي والغوى..
فكل فتاة بأبيها معجبة..
ولكن.. أبمثل هذا الأب تعجب الفتاة..؟
أبمثله تعجب الابنة..؟
***
أمازلت ـ يا فتاة ـ بأبيك معجبة..؟
أما رأيته وقد سطت عليه شمس الحق..وجردته من نياشين الزيف.. حين اصطادته أيدي الثوار موبوءا بالجرب.. كالناقة الجرباء.. ضرعها ضامر.. ووبرها مجروب..
أو كجرذ مبتذل.. تأنف الجرذان أن تعيش حيث كان يعيش في نفقه الآسن ذاك..
فبأي أب ـ يا بنت القذافي ـ تتباهين؟
ولكن كيف لأب مثله..أن ينجب ابنة بغير مواصفاتك يا صفراء القلب..
ما كان أبوك إلا بعيرا..وأنت دليله..
***
ريش منفوخ وجسد مذبوح
ما كانت المرأة صاحبة حق.. ولا ذات فضيلة.. ولم تكن سوى متعة ومتاع للرجل.. وسلوة تسليه حين عسرة.. وملبية لاحتياجاته..
خادمة في نهاره.. وجارية في ليله..
يدعوها لشهوته.. ويصرفها بعد فك عسرته..
***
حملوها شرف الرجال كلهم.. أبيها وأخيها.. وزوجها وابنها.. وابن العم وابن العمة.. وابن الخال وابن الخالة..
ووصل للجار شرر شرفها..وقبل ذلك إلى القبيلة.. والسابلة والعوام والسوقة والدهماء..
فشحذوا سيوفهم ثأرا لهذا «الشرف الرفيع الذي لا يسلم من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم»..
***
أمة تفخر بذبح العصفورة.. وتكتب تاريخها بدمها..
تنثر ريشها المنتوف.. إعلاء لشرف أودعوه جسد تلك العصفورة..
أمة تقتل عصافيرها.. وتنحر ورودها..
وتشرب دم العصفورة.. ممزوجا بدم الوردة..
***
نقبوها ونكبوها.. ووضعوا دونها حجبا دونها حجب.. وأستارا دونها أستار..
فهي العورة الكاملة.. بصوتها وصورتها وشعرها ووجهها وكفيها وقدميها..
أما ساقاها وذراعاها.. فتلك وديعة في بطن حوت لا تراها شمس ولا تنكشف على قمر..
دونها خرط القتاد.. وحروب مجلجلات.. وسيوف مسلولات.. ودماء جاريات.. وثارات لا تنام صدورها..
***
حجبوها في البيت.. وحجروا عليها.. وضربوا نطاق العفة حولها..
وأملوا عليها وصايا الشرف.. وعلقوا في رقبتها جرس الإنذار..
***
وأدوها وليدة ـ لم تشهق بعد شهقة الحياة ـ خوفا من عار لم ترتكبه.. فمن كانت في مثل طراوتها الوليدة.. لا عورة لها ولا عار..
مكنونة مصونة بقدرة خالقها وإرادته.. فكيف ألبسوها مزق العار وهي مازالت تحت راية الرب وفي رعايته وفي جنح حمايته؟
***
لست ـ في ذلك ـ أعد ولا أعدد.. ولا أفتح صدري للأسى المكنون..و لا أشق جيبي حزنا على واقع المرأة..
ما كنت لأفعل ذلك.. ولا أظنني فاعلا إياه.. فتلك ماضيات مضت..وموليات ولت.. ومدبرات أدبرت..
نامت في ظلال عهود سحيقة.. وشربت السنون دموع أحزانها..
ولكن ما أنا أواجهه وأصرف إليه صفحتي هذه.. ليس هو الواقع الذي عاشته المرأة فيما مضى.. بل إنني أصرف هذه الصفحة في سبيل حاضر المرأة التي هُتكت أستارٌ كانت تحجبها.. وأُقرت حقوقٌ كانت مغموطة.. بعدما خرج المنادون والمناديات بحقوق المرأة وخاضوا حروبا في سبيل منح المرأة حقوقها وتقريبها من حقوق الرجل ومن أجل مساواة الكتفين الرجالي والنسائي..
فأسفرت المرأة وخرجت تطالع الشمس وفتحت عينيها للحياة وقل عدد العورات التي تحملها..
تعلمت وعلمت وعملت.. وعلا صوتها الذي كان عورة مضطهدة محبوسة..
وسُمح للشمس أن ترى شعرها العورة..
***
آمنت المرأة بحقوقها وفعّلت إيمانها ذاك وراحت تفاخر بما وصلت إليه وبما أنجزته على الخارطة الإنسانية حتى ظنت أنه لا مزيد بعد.. ولا فوق ما تحقق.. فوق..
***
ولكن التحديق الجيد ـ ومن خلال عين العقل ـ يجعلنا نرى الأمور على غير ذلك الواقع المتوهم والحقائق الزائفة التي لا تقر ولا تستقر إلا في أذهان الذين يغضون البصر ويخشون تتبع الحقيقة وبالذات بين النساء أنفسهن..
فمازالت المرأة غير مؤمنة بمساواتها مع الرجل.. ومازالت ترى نفسها قاصرة عنه.. وكتفها دون كتفه.. ومازال «ظله خيرا من ظل الحيطة».. وما فتئت ترى نفسها متعة له ومتاعا..
فلو دققنا وحدقنا بكيفية وضع المرأة حاليا وبعد أن نالت حقوقها..ولبست تاج المساواة.. نجد أنها لم تبرح إحساسها بأنها الجناح الضعيف والقابل للكسر وأنها مازالت تعتمد على جناح الرجل..
فهي التي تنتظر أن يتفضل عليها الرجل ويدق بابها طالبا الارتباط الزوجي بها.. لأنها هي مانحة المتعة.. والمتعة لم تكن مجانية قط.. كما أنها ـ أي المتعة ـ لا تسير إلى طالبها.. بل هو الذي يسعى..على اعتبار أن «الحاجة للمحتاج».. والرجل هو الذي يدفع مالا مقابل هذا الارتباط وهذه المتعة..
وكأنما المرأة.. راضية بكونها سلعة قابلة للبيع..
والرجل هو المطلوب منه رفع البيت بأعمدة المال والصرف والإنفاق عليها.. وحشو فمها بالذهب والماس..
وهي ـ المرأة ـ متوارية عن المشهد الذي يجب أن تكون حاضرته الرئيسية.. فحين تضيق عليها الأمور ويختلط أبيض الحياة بأسودها.. تلوذ بأنوثتها وتنسى حقوقها.. وتتنازل عن شرائع مساواتها.. لتنتدب الرجل للقيام بالمهمة عنها..وتحمله مسؤولية حمايتها..
***
إن المنفعية أو طغيان المصلحة الخاصة..هما الواضحان والناطقان والمطلان بوجهيهما والكاشفان زيف ادعاء النساء بإيمانهن بالمساواة مع الرجال..
وبمعنى أوضح وأصرح..فإن النساء رحبن بأخذ حقوقهن وتمتعن بها وفرحن بمساواتهن مع الرجال..ولكنهن في الوقت ذاته ظللن محتفظات بما يميزهن عن الرجال وبما يطلبن من مكاسب ومصالح يأخذنها من الرجل..
وهذا مسلك أناني واضح لا ريب فيه.. تأخذ المرأة فيه ولا تعطي.. ويناقض إيمانها بمبدأ المساواة..
ولو أن هذا المسلك اقتصر على عوام النساء وعلى الطبقة المسطحة منهن لجاز ذلك ولم نهتم له ولم يكن ليلفت نظرنا.. لأن أولئك النسوة.. لم يتسلقن شجرة الحقوق.. ولم يقطفن ثمار الحرية.. ولم يطفقن يزرعن حديقة المساواة.. بل جاءتهن وهن قواعد بيوتهن ومتكئات على سررهن المذهبات.. ولكن العيب القارع أجراسه المجلجلات يتسربل بحزنه وخزيه..حين تكون الطلائع النسوية والصادحات في ميادين الحقوق النسوية.. هن اللواتي بلعن أصواتهن ولم يدنّ أو يرفضن كون المرأة متعة مدفوعة الثمن..
***
هذه الحقائق المُولْوِلة ـ في قديمها وفي جديدها.. وحاضرها وماضيها ـ لا تقتصر على امرأة الشرق المنكود المنكوب.. بل هي ـ لعمري ـ تدمغ بشمسها الساطعة نسوة العالم أجمعهن.. حتى في الدول المزعومِ تقدّمُها وعلوُّ كعبها في المساواة وحقوق الإنسان.. نجد أحوال نسوتها شبيهة بأحوال نسوتنا.. فالمرأة عندهم ـ مثلما هي عندنا ـ لها نصيب ثان في الظل.. وربما عاشر في الشمس..
والمرأة عندهم ـ مثلما هي عندنا ـ مازالت بنت الفتنة والغواية..
مازالت في حالة قنص مستمرة..
تنصب فخاخها بغية الصيد الثمين.. أو حتى الهزيل..
ولن تكون امرأة ـ كاملة أو ناقصة المواصفات ـ الاّ بقدر ما يقع في شباكها من ضحايا..
والضحايا بالطبع هم نحن الرجال الذين تريد المرأة أن تتساوى بنا أو معنا..
فهل وجدتم من يريد أن يتساوى بضحيته.. غير المرأة؟
إنه عالم النساء..
عالم جلاّدات يدّعين أنهن ضحايا.. من باب الابتزاز.. ولينفش الرجل ريش طاووسيته عليهن..
ريش منفوخ.. وجسد مذبوح..
ولكن من منّا نحن الرجال لا يريد أن يكون ضحية معلّقة برقبة امرأة؟
***
الغناء لكل فم
تربطني بالفن ـ بأنواعه كافة ـ صلة روحية.. وبالذات الغنائي منه.. فلذلك أنا أكثر المتضررين من انحراف الغناء العربي ودخوله في دهليز البعبعة والمعمعة والمصدعة.. وتسيّبه وتفكّكه وتفتّته وتشرذمه.. و«تبرطمه وتحلطمه»..
وبما أنني من المخضرمين غنائيا.. عشت زمن الفن الأصيل وعاصرت ـ مع الأسف ـ عصر الفن الهزيل.. فإن قلبي يهفو للزمن الأول الذي لم يكن يغني فيه إلاّ المغني والمغنية.. وقبل أن يصدر دستور «الغناء لكل فم».. والذي تنص مادته الأولى «على أنّ حرية الغناء مكفولة لكلّ فمٍ جعّار ولسانٍ نعّار»..
لذلك يا سادتي الكرام.. أستأذنكم بأن أنقل إليكم هذه المقالة التي قرأتها في جريدة «سبر الإلكترونية» ـ التي أمون على صاحبها «محمد الوشيحي» ـ وأسرقه عيانا وعلى الملأ.. ولا أظنه سيقاضيني على تلك السرقة الحميدة.. لأن لا وقت لديه لشكاية أحد.. بسبب أنه متهم دائم في محاكم الجنح الصحفية.. وبالتالي «مو فاضي يشكي» لأن مبدأه هو «الشكوى لغير الله مذلّة»!!
أمّا المقالة المقصودة فقد جاءت في ذكرى وفاة فناننا الكبير «عبدالله فضالة».. و أشكر إدارة «سبر» على تذكّرها..
***
دموع المرازيم
رحم الله أمّي وزمانها الطيّب.. وبيتنا القديم.. ووسائدنا الخالية من الحلم..
وأيّامَنا الترابية.. و«طينَ الخاوة» و«الخرّيط» و«السكة» و«المرزام» و«المدعاب»..
وجدرانَ بيوتنا التي تدمع عيونها ـ كلما غامت السماء و«أنذرت» بسكب شآبيب من مزنها الثقيلات ـ خشية التفتت والذوبان بماء المزن.. الثقيلات منها والخفيفات..
أترحّم على أمّي وزمانها الطيب.. وتلك الراحلات الماضيات كلها.. وأنا أتذكّر زعيما من زعماء ذلك الدهر الكويتي..
الزعامة التي أزعمها ليست زعامة سيف.. ولا زعامة خيل صهول.. ولا زعامة سلطان مهاب الجانب.. يموت له الناس كلما طاف بهم طيفه أو حمحمت ـ في جنبات مدنهم ـ خيله الصاهلات..
زعيمي ذاك.. قيثارة إنسانية تشدو في صدر أمي.. فرضعتها ضمن ما رضعت من ذلك الصدر ..
«عبدالله فضالة».. اسم تلك القيثارة الكويتية..
هل عيب أن أقول «ربابة كويتية».. أو «صرناي كويتي»..
هل تزيد قامة «عبدالله فضالة» طولا إن وصفته بالقيثارة.. وتقصر إن قلت «ربابة» أو «صرناي»..
أم أنه حاوٍ الأوصاف الثلاثة كلها.. فهو القيثارة والربابة والصرناي..
هو رنة العود ونقرة المرواس وارتعاشة الأكتاف في «زفانها».. وميس القدود اللدنات الطريات.. على «طِيران» السامريات والطبول الضاربات..
لم تكن أمي تعرف «فرانك سيناترا».. ولا يحرك سواكنها صوت «فيروز».. بل كان قلبها مسطورا بأشعار «عبدالله فضالة» وأذناها ترعيان في حدائق صوته..
هنا عرفت «عبدالله فضالة».. وهنا كانت محطة المعرفة والاتصال بصوته..
أسطوانات «ملحمته» الشعرية الغنائية «العجايز».. كانت كأنها بنت بيتنا.. تملأ ـ على الدوام ـ أطراف البيت.. آناء الليل وأطراف النهار.. وكلما كلّ الليل.. سلّم أمانة السمع لنهار يليه..
ثم كبرت.. وعرفت «عبدالله فضالة» معرفتي الخاصة البعيدة عن ضغط عاطفة الأم وتأثيرها على عواطفي الغنائية..
عرفته في كبري فنانا شاملا.. شاعرا وملحنا ومغنّيا.. جزيلا في كل منها..
وعرفته يغوص في قلوب الأغاني ولا يسبح على شطآنها..
في شعره الذي يبتدعه.. معان لايأتي بها الاّ غواص يعرف كوامن الدرر ومكامنها..
وفي ألحانه سيمفونيات صغيرة..
«الصبر أجيبه منين» رائعة شرقية من روائعه التي غناها المطرب المصري الشهير «كارم محمود» ذو الباع الطولى في الغناء الأصيل.. فزاده «عبدالله فضالة» ولم ينقصه.. ولو أنصف الدهر لأضاف تلك الرائعة إلى روائع ما غنّاه «كارم» وأشاعها شيوع بقية أغانيه..
وللفضالة اتصال ونسب ووشيجة بامهات القصائد العربية فلحّن وغنى لـ «علي بن الجهم» ـ عيون المها بين الرصافة والجسر.. جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري ـ «وللمتنبي» غنّى «حشاشة نفس ودّعت يوم ودّعوا».. وللبهاء زهير غنّى «رسول الرضا».. وغنى لغيرهم كثيرا وأبدع وكسا شجرة الفن الكويتي بما كان ينقصها من ثمار..
وللـ «خلوج».. صوت حزين ـ رسمه على الربابة ـ صوت عبدالله فضالة..
و«ياراكبين كوار».. تلك الملحمة.. سطرها عبدالله فضالة بصوته وربابته.. مثلما سطرها بقلمه شاعرها «حمود الناصر البدر»..
إن هذا المكتوب كله هو قول فالت عن «عبدالله فضالة» ومجرد شذرات متطايرات عنه.. وليست وقفة على حياته.. ولا توثيقا لها ولا سردا مزوّقا عن فنه..
إنها عجالة من ضمير ـ أرجو أنه حيّ ـ يتذكر ميتا..
[email protected]