«يا ليلُ الصبُّ»..و«يا ليلَ الصبِّ»..أين الصح وأين الخطأ؟
أمير الشعراء أحمد شوقي
هبوط اضطراري على مدرج لغوي..
سياحة شعرية مع «القيرواني» و«شوقي»..
«شوقي».. ينهج نهج «البوصيري» ويتفوّق عليه..
«فهد العسكر».. «يخمّس» شوقي..
من ذاكرة سطوري
للغناءِ.. ألفُ صوت..
وللحكمةِ.. صوتُ فيروز..
***
مباراة شعرية ودّية
قصيدة «يا ليلُ الصبُّ» للشاعر «الحصري القيرواني» من القصائد الجميلة والتي أخذت انتشارا واسعا وشهرة امتدت زمنيا.. وتناقلتها أجيال عن أجيال حتى ترنمت بها غناء ألسنة المغنين في العصر الحديث وعلى رأسهم الفنانة «فيروز».
***
وأحب أن أشير بداية إلى أن كثيرين من القراء وهواة الشعر وحتى كتبته يقرأونها هكذا «.. يا ليلَ الصبِّ».. وهذا خطأ شاع بسبب عدم التدقيق في المعنى واتباع جريان اللفظ وسهولته.. فالقول «يا ليلَ الصبِّ» يكون إعرابه على الشكل التالي:
يا: أداة نداء.
ليلَ: منادى مضاف منصوب بالفتحة.
الصبِّ: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
وضرورة إيراد الإعراب هي من أجل التوصل إلى المعنى الذي يقصده الشاعر.. حيث إنه من المعروف في اللغة العربية أن المعنى يتحدد حسب الإعراب.
(وفي القرآن الكريم - مثلا - (إنّما يخشى اللهَ من عبادِه العلماءُ) وفي هذه الآية الكريمة يخالف اللفظ الظاهر المقصود من المعنى.. ولكن الإعراب هو الذي يجلي الحقيقة ويكشف المعنى.. فالتأخير والتقديم ممّا يعمل به في اللغة العربية وفي هذه الآية الكريمة.. تقدم المفعول به وهو لفظ الجلالة (اللهَ) على الفاعل (العلماءُ) وهذا ما قد يسبب اللبس عند من لا يقرأ بوعي.. ولكن يأتي الإعراب ليوصل إلى المقصود بالنص.
وما قصدت من هذا الشرح اللغوي والاستشهاد إلا التأكيد على ضرورة اعتماد الإعراب للوصول إلى المعنى).
***
وفي العودة إلى ما كنّا فيه من شرح لعنوان قصيدة «يا ليلُ.. الصبُّ» نجد أن فهم مطلع القصيدة بمثل تلك الصورة.. يخالف المعنى المقصود من قبل الشاعر ولا يتمّ به المعنى فضلا عن أنه ينطوي على خطأ واضح.
لأن ما يقصده الشاعر هو أنه يسأل الليل متى غد الصبّ؟
أما حسب الإعراب الذي سبق - وهو كما قلنا الخاطئ - فإن هذا المعنى لا يتم.. ومن المفترض وحتى يتم المعنى حسب هذا الإعراب فإنه كان على الشاعر أن يقول «يا ليلَ الصبِّ متى غدك؟» لا «غده» لأن الضمير في «غده» يعود إلى الصب لا إلى الليل .
وعلى هذا الأساس فإن الإعراب الصحيح وحسبما يتفق مع المعنى الذي أراده الشاعر هو:
يا: أداة نداء.
ليلُ: منادى مبني على الضم في محل نصب (وغير مضاف).
الصبُّ: مبتدأ مرفوع بالضمة.
***
هذه مجرد عملية توقّف ضرورية في محطة لغوية أو هي عملية هبوط اضطراري على مدرج اللغة.. أرجو ألا تصرفنا عن جمال القصيدة.. وكان لابد من إيرادها من أجل فهم صحيح للمعنى.
وهذا هو النص شبه الكامل للقصيدة:
يا ليلُ.. الصبُّ متى غدُه؟
الشاعر الراحل فهد العسكر
فيروز
أم كلثوم
أقيامُ الساعةِ موعدُه
رقد السمّارُ فأرّقه
أسفٌ للبينِ يردّده
فبكاه النجمُ ورقّ له
مما يرعاه ويرصده
كلفٌ بغزالٍ ذي هيفٍ
خوفُ الواشين يشرّده
نصبت عيناي له شركا
في النوم فعزّ تصيده
وكفى عجبا أنّي قنصٌ
للسرب سباني أغيده
صنمٌ للفتنةِ منتصبٌ
أهواه ولا أتعبّده
صاحٍ.. والخمرُ جني فمه
سكران اللحظ معربده
ينضو من مقلته سيفا
وكأنّ نعاسا يغمده
فيريق دمَ العشاق به
والويل لمن يتقلّده
كلا.. لا ذنبَ لمن قتلت
عيناه ولم تقتل يده
يا من جحدت عيناه دمي
وعلى خدّيه تورّده
خدّاك قد اعترفا بدمي
فعلامَ جفونُك تجحده
إني لأعيذك من قتلي
وأظنك لا تتعمده
بالله هب المشتاق كرىً
فلعل خيالك يُسعده
ما ضرّك لو داويت ضنى
صبٍّ يُدنيك وتُبعده
لم يُبقِ هواك له رمقا
فلْيبكِ عليه عُوّدُهُ
يا أهل الشوق لنا شوقٌ
بالدمع يفيض مُورّده
يهوى المشتاق لقاءكمُ
وصروف الدهر تُبعّده
ما أحلى الوصلَ وأعذبَه
لولا الأيامُ تُنكّده
بالبين وبالهجران فيا
لفؤادي كيف تجلّده؟
***
هذه القصيدة ونظرا لجمالها وسهولة إيقاعها وعذوبة موسيقاها الشعرية دفعت الشاعر - أو أمير الشعراء - «أحمد شوقي» إلى معارضتها.. أي الكتابة على منوالها والالتزام بوزنها وقافيتها.. والمعارضة تعني التأثر والإعجاب بالقصيدة. وقصيدة «شوقي».. «مضناك جفاه مرقده».. لا تقل عذوبة عن قصيدة «الحصري».. وقد لحنها وغناها محمد عبد الوهاب وأبدع فيها أيما إبداع وقد لحقه الكثيرون من المطربين في غنائها. وفيما يلي القصيدة كاملة.. وقد قمت بتقويس بعض أبياتها والقصد من وراء ذلك أن هذه الأبيات المقوسة لم يقم عبدالوهاب بتلحينها وغنائها ولكنه انتقى بعض أبياتها ليغنيها.
يقول شوقي في قصيدته «مضناك جفاه مرقده»:
مضناك جفاه مرقدُه
وبكاه ورحّم عوّدُه
حيرانُ القلبِ معذّبُه
مقروحُ الجفنِ مسهّدُهُ
«أودى حرفا إلا رمقا
يبقيه عليك وتنفده»
يستهوي الورقَ تأوهه
ويذيب الصخرَ تنهده
ويناجي النجمَ ويتعبه
ويقيم الليلَ ويقعده
«ويعلّم كلّ مطوقةٍ
شجنا في الدوح تردده»
«كم مدّ لطيفك من شَرَكٍ
وتأدّبَ لا يتصيدُه»
«فلعلك بغمض مسعفُه
ولعل خيالك مسعده»
الحسنُ حلفتُ بيوسفِهِ
والسورةِ أنك مفردُه
«قد ودّ جمالَك أو قبسا
حوراءُ الخلدِ وأمردُه»
وتمنّت كلُّ مقطّعةٍ
يدَها لو تُبعثُ تشهده
جحدت عيناك زكيّ دمي
أكذلك خدّك يجحدُه
قد عزّ شهودي إذ رمتا
فأشرتُ لخدّك أشهدُهُ
«وهممتُ بجيدك أُشركه
فأبى واستكبر أصيده»
«وهززت قوامك أعطفه
فنبا وتمنّع أملده»
«سبب لرضاك أمهده
ما بال الخصر يعقّده»
بيني في الحب وبينك ما
لا يقدر واشٍ يُفسده
ما بال العاذل يفتح لي
باب السلوان وأوصده
ويقول تكاد تُجنّ به
فأقول وأوشك أعبده
مولاي وروحي في يدِهِ
قد ضيّعها سلمتْ يدُه
ناقوسُ القلب يُدقّ له
وحنايا الأضلع معبده
قسما بثنايا لؤلؤها
قسمَ الياقوتَ منضدُه
«ورضابٍ يوعد كوثره
مقتول العشق ومشهده»
«وبخالٍ كاد يُحجّ له
لو كان يُقبّل أسودُه»
«وقوامٍ يروي الغصنُ له..
نسبا والرمحُ يفنّده»
«وبخصرٍ أوهى من جلَدي
وعوادي الهجر تبدّدُه»
ما خنتُ هواك ولا خطرت
سلوى بالقلب تبرّدُه
***
ونلاحظ أن شـــوقي لم يكتف فقط بالمحاكاة الشكلية لقصــــيدة «القيــــرواني» بل إنه حاكاها حتى في المضمون فأعاد صيــــاغات بعض المعاني التي أوردها القيرواني. فبينما يقول القيرواني مثلا:
يامن جحدت عيناه دمي
وعلى خديه تورده
خدّاك قد اعترفا بدمي
فعلام جفونك تجحده
نجد شوقي يحاكي المعنى ويقول:
جحدت عيناك زكيّ دمي
أكذلك خدك يجحده
قد عزّ شهودي إذ رمتا
فأشرت لخدك أشهده
وأرى أن الشاعرين في هذا وكأنما قد قدّما مباراة استعراضية ودية لم يقصد أحدهما الفوز على الآخر بل كانا يهدفان الى المتعة وإغناء المشهد.. وقد فاز الاثنان.. «الحصري القيرواني» و«أحمد شوقي».
***
وليست هذه هي القصيدة الوحيدة التي عارضها «شوقي» ونسج على منوالها بل إن له غيرها من القصائد التي نسجها على منوال قصائد قديمة..
وقصيدته «نهج البردة».. التي غنت «أم كلثوم» بعض أبياتها.. عارض فيها قصيدة «البردة» لـ«البوصيري».. المكتوبة في القرن السابع الهجري.. ومطلعها:
أمن تذكّر جيرانٍ بذي سلمِ
مزجت دمعا جرى من مقلةٍ بدمِ
وفيها أيضا
محمَدٌ سيّدُ الكونيْن والثقليْن
والفريقين من عُرْبٍ ومن عجمِ
وكذلك:
هو الحبيب الذي تُرجى شفاعتُه
لكلّ هولٍ من الأهوال مقتحمِ
قصيدة «البوصيري» الدينية هذه.. قابلها بعض السلفيين المتأخرين بالرفض والاستهجان إلى درجة أن البعض منهم قال إنها تحتوي على كفر وشرك بالله.. رغم أنها تعتبر تاج شعر المديح النبوي.
أما معارضة شوقي لها فقد جاءت تحت اسم «نهج البردة».. أي أنه نهج فيها نهج البردة الأصلية من حيث الشكل والمضمون وهي قصيدة طويلة
هذه بعض أبياتها:
ريمٌ على القاع بين البان والعلمِ
أحلّ سفك دمي في الأشهر الحرمِ
رمى القضاءُ بعينيْ جؤذرٍ أسدا
يا ساكن القاع أدرك ساكن الأجمِ
يا ناعس الطرف لا ذقت الهوى أبدا
أسهرت مضناك في حفظ الهوى فنمِ
صلاح أمرك للأخلاق مرجعه
فقوّم النفس بالأخلاق تستقمِ
حتى بلغتَ سماءً لا يطار لها
على جناح ولا يُسعى على قدمِ
وقيل كلُّ نبيٍّ عند رتبته
ويا محمدُ هذا العرشُ فاستلمِ
***
وهذه القصيدة الشوقية الطويلة.. تم انتقاء بعض من أبياتها ليلحنها رياض السنباطي والتي غنّتها ام كلثوم وتعتبر من عيون الغناء العربي مثلما أن شعرها يعتبر من عيون الشعر العربي وأرى أن شوقي تفوّق فيها على قصيدة «البوصيري» الأصلية.
***
«العسكر» يخمّس شوقي
ومثلما أن هناك في الشعر «معارضة».. فإن هناك فنونا أخرى يحتويها الشعر.. ومنها «التخميس».. وهو أن يأخذ شاعر قصيدة تأثر بها لشاعر آخر فيقوم بما نستطيع تسميته بمشاركته في قصيدته.. فيكتب هذا الشاعر ثلاثة أبيات أو ثلاثة أشطر تتوافق في الوزن والمعنى مع القصيدة التي تأثر بها أو أدخل نفسه شريكا بها والشطران الأخيران يكونان من القصيدة الأصلية.
أي أنها عملية تركيب أو ممازجة بين قصيدتين لشاعرين مختلفين.
***
وشاعرنا الكويتي - المظلوم في حياته وفي مماته - «فهد العسكر» له تخميسة وربما أكثر مع قصائد الشاعر أحمد شوقي.. ومنها هذه القصيدة التي خمّس فيها قصيدة لأحمد شوقي.. وهي القصيدة التي يقول شوقي في مطلعها:
خدعوها بقولهم حسناءُ
والغواني يغرهنّ الثناءُ
هذه القصيدة خمّسها العسكر وهذه بعض أبياتها.. مع رجاء أخذ العلم بأن الشطرين الأخيرين المقوّسين في كل مقطع هما.. من قصيدة «شوقي» الأصلية بينما الأشطر الثلاثة الأولى هي للعسكر:
لي طرْفٌ لم يدر ما الإغفاءُ
وفؤادٌ عاثت به الأهواءُ
يوم ولّت يقودها الرقباءُ
«خدعوها بقولهم حسناء»
«والغواني يغرّهنّ الثناءُ»
***
صحتُ لمّا حان الفراق وحمّا
ويكِ.. بالحب أشبعيني ضمّا
أنكرتني وأوسعتني ذمّا
«أتراها تناست اسمي لمّا»
«كثرت في غرامها الأسماءُ»
***
يا ترى هل فؤادها يتألّمْ..
بعدما حيل بينها والمتيّمْ
فاسألوها لأي شيء لأعلمْ
«إن رأتني تميل عنّي كأن لم»
«تكُ بيني وبينها أشياءُ»
***
يوم جاءت فقلت جنَّ الظلامُ..
لا تخافي إن الوشاة نيامُ
فرنت ثم أقبلت والغرامُ
«نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامُ»
«فكلامٌ فموعدٌ فلقاءُ»
***
يوم قمنا وأدبرت فتعالت..
من فؤادي التنهدات والآهاتُ
ثمّ لمّا اطمأنت ومالت
«جاذبتني ثوبي العصي وقالت»
«أنتم الناس أيها الشعراءُ»
***
فبخمر الجمال أنتم سكارى..
لاتزالون ليلكم والنهارا
واتخذتم حب الغواني شعارا..
«فاتقوا الله في قلوب العذارى»
«فالعذارى قلوبهن هواءُ»
[email protected]