تكلم بعقلك لا بلسانك..
زينة الصمت لا يتحلى بها سوى العقلاء..
الهذر ..قتل غير مباشر..
شاعرة.. شَعرها أجمل من شِعرها..
شهر.. تهدأ فيه صيحات قلمي..
قبل البدء
كان من المفترض أن تنشر هذه القيلولة قبل شهر رمضان الفائت والذي كففت خلاله يدي عن الكتابة إفساحا مني ومن إدارة الجريدة الموقرة في المجال للمادة الكتابية المتوافقة مع جلال الشهر الكريم ومع المواد الصحافية التي درجت عليها الصحف خلال الشهر الكريم.
لذلك فإن القارئ لهذه القيلولة سيجدني وقد ختمتها بإشارة للتوقف خلال شهر رمضان.. ولكن لم يتح لها النشر لكون شهر رمضان قد حل مباركا في يوم الجمعة ذاتها التي كان من المفترض أن تنشر فيه.. لذلك لم يقدر لها أن تسير إلى عيون القراء أو تكون بين أيديهم.. ولم أر في نشرها اليوم ما ينقص من قيمتها إن كانت تحمل قيمة..
***
كلام عن الكلام
زينة الإنسان بصمته حين يكون لا كلام عنده.. وعندما يكون ذهنه خاليا من فكرة تستحق الطرح..
الكلام عسر وعسير وليس سهلا كما يظن الخاوون الذين يعتبرون الكلام مرتبطا باللسان فقط.. بينما اللسان مجرد آلة أو جهاز لنقل الكلام في حين أن مصدر الكلام هو العقل.. ولكن كثيرا من الناس يعتبرون اللسان ويحسبونه هو مصدر الكلام وأن الكلام مرتبط باللسان فقط..
وأولئك هم الهذارون الذين يقولون كلاما لا معنى له ولا يفيد سامعه لأنه لا ينبع من العقل ولا يحمل فكرة تنفع سامعها.. والكلام غير المفيد ضجيج وجعجعة.. يلوث الأسماع ويضر العقول.. ولو صمت كل إنسان لا يحمل سوى اللغو والهذر والكلام الذي مصدره اللسان لا العقل لكانت الحياة أجمل كثيرا ولهدأت نفوس الناس وانصرفت عقولهم للنافع في الدنيا والمفيد..
ويمتاز عصرنا هذا الذي نعيشه بنوعيات من هذا الكلام غير النافع وهو ما يمكن أن نسميه الهذر واللغو.. وطوائف كثيرة من أناس هذا العصر يمارسون هذا النوع من القتل غير المباشر للنفس الإنسانية وأعني به هذه النوعية من الكلام الذي لا يعتمد الفكر ولا يكون مصدره العقل بل اللسان.
***
هذارون في كل شرائح الحياة وقطاعاتها..
نجد شعراء هذارين.. يقولون كلاما ممجوجا مجنونا لا قيمة له ولا وزن.. ولا يخجلون من اعتلاء المنابر ليصدّعوا الرؤوس المريضة بمزيد من الصداع..
ولقد فتح ما يسمى بالشعر المرسل أو الحر الباب على مصاريعه لمثل أولئك المخابيل ليكونوا شعراء وقوالين يعطيهم الزمن فسحات من وقته لممارسة هذيانهم وليلوثوا أسماع الناس بهذيانهم ولغوهم وعبث كلامهم..
والناس الذين لم يتح لهم الوقت الفرصة لمعرفة الشعر الحقيقي والأصيل والفاعل.. والذين لم يتعرفوا شعر الشعراء الحقيقيين.. يحسبون هراء أولئك المخابيل هو الشعر.. بل ربما قمة الشعر وذروة سنامه..
لذلك يجد أولئك المخابيل المساطيل مكانا لهم تحت سدرة الشعر.. ويهذرون ويزيدون في الهذر.. ولا يتورعون عن اقتراف الجرائم القولية.. والجنايات الكلامية.. ويكثرون من اللغو المحموم.. ويجدون من يستمع إليهم من خواة العقول ومن الغاوين والضالين.
***
ولقد مر عليّ في حياتي امرأة من مرتكبي تلك الجرائم «الشعرية اللاشعورية».. وكانت تقدم لي هذيانها المكتوب والذي صوّر لها شيطانها أنه شعر.. وتلزمني بقراءته ومراجعته بقصد نشره للناس..
وكنت أقع في حرج شديد لأن تلك المرأة.. تريد أن تطل على الدنيا الواسعة من باب الشعر.. وعدتها في ذلك وحصانها الذي ستمتطيه في موكب الشعر هو هذا الذي تقدمه لي من هراء وهذيان وسخف..
هو كلام ليس بالكلام أساسا.. ولا أصل له في علم الكلام ولا فصل.. ولو جن المجنون.. واختل المخلول.. واختبل المخبول.. لما كتبوا مثله.. خوفا من ان يتهموا بالجنون المركب.. والخبل المخرج من الملة الإنسانية.. والخلل المزدوج..
ومما أذكره واحتفظت به ذاكرتي.. من أوراقها المشحونة بالسعرات الشعرية المستعرة.. ومن هذيانها المسطر على الورق.. هذا الهراء:
«مشردة في رياح الجمر..
شمعة.. بلا ضمير..
سرير بلا أضلاع..
ردني يا من جرجرتني إلى زمني..
عمياء.. ابحث في زاد الفقراء..
ريح سوداء..
غيمة بيضاء..
سماء زرقاء..
أرض مكوّرة..
بيتنا هناك..
وبيتك هنا..
رغيف يابس..»
فلما قرأت ذاك اللغو.. لم أنم ليلتي استعدادا لـ «جلسة النطق بالحكم» والتي سأقول فيها رأيي بذلك الهذيان الذي قدمته لي وهي مزهوة بما اقترفت يدها من إثم.. معتبرة نفسها فاتحة في عالم الشعر وانها جاءت لتنظيف «الساحة الشعرية» من الهذيان والخزعبلات والتقليدية والجمود ـ رغم أني لم أر في يدها مكنسة ولا دلو ماء لزوم تنظيف الساحة الشعرية حسب قولها ـ ومما قالته ـ لا فض فوها ولا مات حاسدوها ـ إنها سوف تحرر الشعر وتكسر أغلاله.. لينطلق ويتحرر.. ويرقص «عالوحدة ونص» ويسبح ليعبر المانش.. ولكنها نسيَتْ أن تقول.. ولياكل ويشرب.. ويشطح وينطح..
و «ربما ينضم ـ مستقبلا ـ إلى شبيحة الأسد»!!
***
وجاءت ساعة الحسم.. وفتحت المحكمة أبوابها.. وصاح الحاجب بأعلى صوته مناديا.. محكمة..
ودخلت أنا مرتديا هيبة القاضي الذي اطّلع مليا على أوراق القضية.. وأشبعها بحثا وتنقيبا، وفحصا وتدقيقا.. لأنطق بالحكم..
وأنا بطبعي خجول ومجامل.. وأحسب فوق المليون مليون حساب لمشاعر الناس.. وأخاف جرح مشاعر احد منهم.. فكيف أفعل إذن إذا كانت طالبة الحكم امرأة مليحة مصقولة القوام هيفاء سامقة شقراء أرملة شابة ذات عيال لم تثقل السنون عمرها بعد..؟
وتريد ان تلج دنيا الأدب الواسعة من باب الشعر.. وأنا لست الخبير بالشعر من حيث تقنياته الفنية ومتطلباته وأوزانه.. وما إلى ذلك..
فوجدت في جهلي بالشعر حجة أتحجج بها وذريعة أتذرع بها وبابا أخرج منه.. وكأنني قاض قد تنحى عن النظر في القضية! ولكن أنى لي ذلك.. وصاحبة القضية.. امرأة مهذارة.. تلج في عوالم الكلام ولوج النملة في غارها.. وتكتب مثل ذلك الهراء المنشور أعلاه..
وقد صدق ظني.. فما إن أعلنت اعتزالي وإحجامي عن نظر القضية بسبب الجهل في موضوع القضية محل الحكم.. انبرت بلسان مسنون ملسون.. ويحك يا هذا (طبعا هي لم تقلها بمثل هذا اللفظ).. ولكنها قالت «وي مالت عليك.. ايش وزن ايش خرابيط..؟؟ أول مرة بعد أسمع إن الشعر فيه وزن.. شنهو أهو بطاط»؟؟!!
واستطردت قائلة «المهم قول لي ايش رايك بشعري»؟ الأخت مصممة انّ ما تكتبه شعر..
بذاءتها تلك شجعتني أن أكون قاضـــيا منصفا وعادلا..
فقلت لها يا ـ مبتدئا بمجاملتها ـ يا سيدتي شَعرك أجمل كثيرا من شِعرك..
فإن شئت نشرا.. فانشري شَعرك لا شِعرك..
وأردفت قائلا: أعتقد أنني سأقرأ في المستقبل أسوأ مما كتبتِ.. ولكن ـ ويشهد الله ـ أنه حتى هذه اللحظة.. فهو الأسوأ بجدارة..
ولكن لا لوم عليك ـ يا سيدتي ـ ولا تثريب.. ولكن اللوم سيقع على من سينشره.. ومن سيقرأه!
فما كان منها إلاّ أن سحبت أوراقها مني غاضبة حانقة.. «متحلطمة متبرطمة».. محنجرة مزمجرة.. عيناها تقدح شررا.. ولسانها يلغ في بذيء القول..
وكانت عبارتها الأخيرة لي «الشرهة مو عليك.. عليْ أنا اللي حسبتك تفهم.. مالت عليك بلا مالت عليك يا.....».
***
المهم أنني ومن خلال تتبعي لما كانت تنشره.. لم أجد ذلك الهراء منشورا.. وعرفت فيما بعد أنها حاولت نشره في أكثر من صحيفة.. ولكن لم تغامر ولا واحدة من تلك الصحف بنشره!!
وقد خاب ظني حين توقعت أن أقرأ في المستقبل أسوأ مما كتبت.. ولكن مرت عقود أربعة ولم أقرأ أسوا مما كتبته تلك «الشاعرة» بالفراغ!!
وعرفت فيما بعد أنها اتجهت إلى «تأليف» القصص والروايات.. ولا أدري إذا ما كنت قصصها أو رواياتها على شاكلة «شِعرها».. أم أنّها وجدت مسعفا يسعفها.. ويرمم جروح حروفها.. ويبني لكلماتها جدرانا وأسقفا!!
لست أدري!!
***
آخر القطاف
أكتب هذه القيلولة.. لتكون آخر قطاف هذا الموسم.. الذي امتد على مدى احد عشر شهرا.. حيث ابتدأ منذ ما بعد عيد الفطر الماضي وحتى يومنا هذا..
آملا أن يكون لي شهر من العام.. تهدأ فيه صيحات قلمي.. وترتاح فيه محبرتي.. وينام فيه قرطاسي.. واخترت أن يكون شهر رمضان.. هو الذي أريح فيه أدواتي من مزاولة مهنها.. ولتتوسد وتنام وتستظل فيئا شاردا من شمسه..
والشكر لمن قرأوا قيلولات هذا الموسم.. لتفضلهم عليّ بقراءة ما كتبت.. وما خط قلمي..
وللبعض منهم ـ إلى جانب الشكر ـ واجب الاعتذار.. إن كان في بعض ما كتبت مسٌّ بما يعتقدونه.. أو بشخص يحبونه.. أو بمبدأ يؤمنون به..
وهذا الاعتذار هو اعتذار المقتدر والمؤدب والمهذب.. لا اعتذار المتراجع أو المخطئ.. فكل ما كتبته أراه من ـ وجهة نظري ـ صحيحا وصائبا.. ساعة كتابته.. وقد يخطّئني الزمن.. وعندها لن أعدم فسحة من الوقت اعتذر فيها وأتراجع ملء السمع والبصر عما أخطأت فيه.. ولا أجد غضاضة في ذلك.. فعندي من فضيلة الاعتذار ما يكفي لتبييض سواد صفحتي إن كانت قد حملت آثاما.. وعندي ما يكفي لغسل أدران أخطائي.. ولا أبرئ نفسي من زلاّت وشطحات وطيش.. والكلام يطيش أحيانا..
ولا أقول لمن ظن بي ظن سوء.. أو أساء لي بقول.. أو لكزني بحد قلمه.. لا أقول له لا تفعل.. ولا أقول له.. قم وتطهر من رجس الظنون الشائنات.. وداو ذاتي التي جرحتها.. بل أقول ـ بمنتهى عافية نفسي ـ إن كنت ترى ـ فيما فعلتَ ـ صوابا وحقا.. فلا تتراجع عما كنتَ عليه.. ولا تسحب إساءتك.. ولا تأسف على سوء ظننته بي.. ولا يغرنّك قولي.. فما كتبت الذي كتبته.. حتى أدخلك في صف النادمين.. ولا لأعلن نفسي ضحية كنت أنت جلاّدها.. لا.. ليس ذلك ـ يا صديقي ـ ما قصدت.. ولا أدّعي أنني من ذلك الفصيل الإنساني المنزه عن الأخطاء.. ولكنني بطبيعتي الإنسانية خطّاء كسائر البشر..
ولكنما كتبت ذلك من أجل فتح باب النقد على مصراعيه.. ولأرفع الحرج عمن يتحرج من النقد.. ولا أرى لي حصانة من النقد..
هذه كلمة ملزمة.. رأيت أن أختتم بها هذا الموسم.. أملا في لقاء أزهى وأجمل وأكثر دفئا واقترابا.
[email protected]