عرف أبناء جيلنا ممن لهم اهتمام بالفن من موسيقى وغناء ورقص وسينما، الممثلة «زبيدة ثروت» في أواسط خمسينيات القرن العشرين، وكنا حينها على أعتاب الشباب أو دون ذلك قليلا، ولقد بهرتنا بجمالها ورقتها ونعومتها، وكانت عيناها هي مهبط إعجابنا وملاذ اهتمامنا.
تهبط علينا كالساحرة، فتسلب منا الألباب «لا حراك بنا» إلا نبض متزايد في قلوبنا.
هكذا هي كانت، وذلكم نحن كنا!
وما دفعني للكتابة عنها اليوم، ودنيانا مليئة بالصراعات، والصحف تعج بالأخبار وتضج بالأحداث والناس في ولولة ولجلجة والدماء تسيل هناك وهناك، والأقدام تركل الكرة في «البرازيل» والعيون مشدودة إليها بقلوب راجفة واجفة! ما دفعني للكتابة عن زبيدة ثروت ليس الاهتمام الشخصي بها ولا لتذكير من عرفها ونسيها بها، ولا تعريف من لا يعرفها بها، ولكنني رأيت صورة لها وهي في عمرها هذا وقد انتصف سبعون عمرها، فإذا بها غير ما هي وغير ما كانت عليه في شبابها وحتى ما بعد ذلك الشباب المولّي!
امرأة مسنّة تهدّل منها كل شيء حتى وجهها بات طبقات فوق طبقات، كسيت عظامها لحما وشحما فوق ما تقدر على حمله تلك العظام.
يقولون إنها سنّة الحياة والزمن غدار لا يرحم ولا يني يثقل كاهل حامله، فيكبر الانسان ويشيخ وتقل حركته فيسمن، والسمنة تولد أمراضا وأمراضا، وهذا صحيح، فللزمن لغته وأفعاله وسننه في الإنسان، ولكن للإنسان وسائل دفاع وأساليب حماية ضد غائلة الزمن وأفاعيله وغدره، وهناك شيخوخة طبيعية تترك آثارها على الإنسان، وهناك أمور أخرى هي من صنع الانسان نفسه وهي أخطر مما يفعله الزمن والعمر بالإنسان، ومنها اليأس وفقدان الأمل والبهجة بالحياة والاستسلام التام والتسليم للزمن تسليما كاملا، حين لا يجد الانسان المسن ما يدفعه للتغلب على غدر الزمن وأفعال الشيخوخة ويرفع الراية البيضاء أمام غول الكبر وسلطان الزمن فتعرف الأمراض طريقها إليه ويكدّس الزمن شحومه ولحومه فوق جسده فيصد عن الحياة يائسا بائسا واهنا ضعيفا سارحا في دنياه البعيدة التي عاشها ويترحم عليها وعلى نفسه، منتظرا ساعة الخلاص وجرس النهاية.
تلك برأيي هي علة بعضنا من سريعي اليأس ومن يفتقدون حب التمسك بالحياة فلا يحاولون الدفاع عن أجسادهم المؤتمنين عليها، فيهزمهم الزمن، وتنتصر عليهم الشيخوخة التي لم تجد منهم مقاومة أو ردا لسطوتها وجبروتها.
[email protected]