بعد حكم ناف على الستة عشر عاما وسنتين قبلها كان هو المحرك والدينمو وصاحب الكلمة العليا، مات الرئيس المصري جمال عبدالناصر، فخرجت ملايين الشعب تبكيه وتنتحب، مثلما خرجت في أعقاب هزيمته وتنحيه مطالبة إياه بالعودة إلى سدة الحكم.
وبعد حكم امتد ثلاثين عاما أسقطت ثورة 25 يناير الرئيس المصري الرابع حسني مبارك، فبكاه قطاع عريض من الشعب ورفضوا سقوطه متمنين عودته للقصر.
وبعد ثلاثين عاما من حكم تونس، عزل انقلاب سلمي الرئيس التونسي الأول «الحبيب بورقيبة» وما زال التونسيون يستعذبون ويستعيدون أيام بورقيبة.
ومازال الحكم «الأسدي» ممتدا في سورية منذ ما يقارب الخمسين عاما، ومازال قطاع واسع من السوريين متمسكين بـ«الأسد» الثاني.
وحكم صدام حسين العراق لما يقارب الثلاثين عاما، وأيضا بكاه بعد موته عراقيون كثر وعرب أكثر.
ولا أريد أن أزيد في الأمثلة، فهي كثيرة وموجعة.
القصد من هذا ليس تقييم أولئك الرؤساء العرب ولا الحكم على وطنيتهم ولا على ما قدموه لصالح بلدانهم وشعوبهم، فذلك أمر يخص شعوبهم وهي الأقدر على تقييمهم والحكم على سيرهم الحاكمة، ولكنما قصدت من هذا أن أتطرق لمفهوم الحكم «الجمهوري» في العقلية العربية.
الشعوب في الجمهوريات العربية، اختلط عليها الأمر بين الحاكم الوراثي الذي يحق له البقاء على عرش بلاده حتى مماته، وبين الحاكم «الجمهوري» الذي يحق له البقاء في سدة الرئاسة لفترة يحددها الدستور ولا تمتد إلى نهاية حياته.
وعرب الجمهوريات ليسوا هم من ابتدع النظام الجمهوري، ولكنهم أخذوه من الغرب ومع الأسف أخذوا القشر ولم يقتربوا من اللب في النظام الجمهوري الذي لا ينص على بقاء الرئيس إلى الأبد.
ودساتير الجمهوريات الحقيقية لم يكتبها الشعراء ولا العاطفيون ولا أصحاب المشاعر الرقيقة، فلم تنص على استثناء الرئيس إذا ما افتتن به الشعب وأحبه وهام به عشقا، بل يتساوى في ذلك رئيس محبوب ورئيس «عفاش» خفاش سيئ الخلق والسيرة والأداء، والحكم في ذلك للشعب فإما يعيده الى الحكم دورة ثانية وإما يودعه بالورود أو اللعنات.
هكذا نريد الجمهورية العربية، لا أبوة فيها ولا تخليد على كرسي الرئاسة.
[email protected]