لا أرى أن وزير العدل جمال الشهاب كان موفقا في تصريحه الذي أدلى به بخصوص تعليقات بعض النواب وآخرين على حكم المحكمة الذي صدر في القضية المرفوعة من النائب د.عبيد الوسمي على مجموعة من ضباط الشرطة اتهمهم بالاعتداء عليه في أحداث ديوانية النائب جمعان الحربش، فقد كان تصريح معالي الوزير مختصرا جدا الى حد الغموض دون ايضاح كاف أو معنى واف فقد قال «نعتز بالقضاء الذي لن تؤثر فيه أخطاء البعض وان حماية دولة المؤسسات واجب دستوري وان وعي الشعب هو الرادع لكل انحراف من أي سلطة وقع»، وقد أوقع وزير العدل الرأي العام في لبس لا ينبغي له أن يوقعنا فيه فقوله ان اخطاء البعض لن تؤثر في القضاء فقد تاه الناس في تفسيرها واحتاروا في مقصده فهل يقصد أخطاء رجال القضاء أم أخطاء من هاجم القضاء؟
وكذلك يستمر الغموض في قوله «ان الشعب هو الرادع لكل انحراف من اي سلطة وقع» وهذه الجملة حين نربطها مع الجملة السابقة فإن المعنى يشير إلى أنه يقصد أخطاء القضاء وان الشعب هو الرادع لكل انحراف يصدر من السلطة القضائية كونها إحدى السلطات التي قصدها.
قد أكون مخطئا في تحليلي ولكن تصريح معالي الوزير المختصر لم يسعفني غموضه لفهم آخر غير هذا الفهم وان أحسنت الظن فإن الوزير ربما غلب المصلحة السياسية فجاء تصريحه سياسيا أكثر من كونه رأيا قانونيا ينصف القضاء ورجاله.
فمهما كان من أمر فإن إصلاح القضاء لا يمكن ان يكون إلا من الداخل فهو سلطة لا تخضع في تقييمها الى مزاج الشعب وسلطته ولا لرأي كائن من يكون بخلاف أعضاء السلطة التشريعية الذين يخضعون لصناديق الاقتراع وكذلك أعضاء السلطة التنفيذية الذين يخضعون لرقابة أعضاء مجلس الأمة لذلك أفرد المشرع الدستوري للسلطة القضائية بابا مستقلا في الدستور ضمن لها من خلاله الحماية والاستقلال فلا سلطان على القاضي في قضائه، وبالرغم من ذلك فقد أجاز للجميع انتقاد الأحكام بنزاهة وحسن نية دون ان يكون لهم حق الاعتراض عليها إلا وفقا لطرق الطعن على الأحكام الواردة في قانون المرافعات، وقد نصت المادة (147) «يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنتين او بغرامة لا تجاوز ألفي روبية أو بإحدى هاتين العقوبتين كل شخص أخل بوسيلة من وسائل العلانية المبينة في المادة (101) بالاحترام الواجب للقاضي على نحو يشكك في نزاهته أو اهتمامه بعمله او في التزامه لاحكام القانون ولا جريمة اذا لم يجاوز فعل المتهم حدود النقد النزيه الصادر عن نية حسنة لحكم قضائي..» من كل ذلك نستخلص أن نقد الأحكام مباح على ان يكون ذلك بحسن نية وبنزاهة دون المساس بشخص القاضي وتجريحه أو حتى انتقاد أحكامه بالاستهجان والسخرية، ومن المعلوم ان فهم الأحكام واستيعاب أسبابها والقدرة على انتقادها نقدا علميا لا يكون إلا للمتخصصين في القانون او من هم على قدر كبير من العلم والوعي، لذلك ليس من المقبول أن يفتري عوام الناس على أحكام القضاء وأشخاص القضاة بشكل سافر فذلك ينذر بفقدان الثقة والهيبة في سلطة هي الملجأ والمنجى بعد الله في إرساء دولة العدل والحق في وقت بات فيه البعض يتفاخر بتهديد أمن المجتمع وهيبة الدولة ويماري بالتطاول على مؤسساتها وسلطاتها بل ان التطاول والتحقير أصبح ثقافة دارجة في المجتمع وأمرا بديهيا يتداوله عوام الناس الصاحي منهم والمجنون دون حياء أو خجل. فنرجو من معالي وزير العدل إعادة تصريحه بشكل منصف يوائم شموخ القضاء واعتباره.
[email protected]