المحبة والتسامح هما ركيزتان يقوم عليهما كل توجه تقدمي في العمل والمعرفة والتعاون على البر، والمجتمعات البشرية المتحابة المتصالحة مع الواقع بلا إفراط أو تفريط والمتسامحة بصبر على المكاره هي الأكثر قوة وثباتا وقدرة على التأثير الإيجابي فيما بينها ومن ثم على الآخرين، وعندما نفصل كثيرا في عقيدة المحبة والتسامح فهذا ليس تعبيرا عن الخوف والتردد والتوجس من المخالفين ولكن هي ثقة بالنفس بأننا نقف على أرض صلبة سلاحنا فيها هو المحبة وما شرعه الله لنا من منهج أخلاقي مصدره التعاون على البر والتقوى وليس على الإثم والعدوان.
إن المحبة هي القوة التي تجعل الإنسان ينتصر على ألد أعدائه داخل نفسه من شهواته ونزغاته الحيوانية وتمكنه من ترويض غول الكراهية والرغبة في الانتقام ومن ثم هزيمته، فبالمحبة تتراحم الخلائق وتسمو النفوس وترقى الأفعال لدرجة عالية تمكن أصحابها من قهر المعوقات والصعاب وتخطى الحواجز النفسية التي تحول بينه وبين الحقائق الجمالية وأعمال الخير.
وإذا تطرقنا إلى مبدأ التسامح ومفهومه في الرسالات السماوية ومفهوم التسامح عند أغلب المتبعين لهذه الرسالات وبالتحديد في المنطقة العربية التي هي مهبط الوحي لكل الرسالات السماوية نجد أن البون شاسع والفارق كبير وذلك نتيجة للخلط القديم بين الأديان كمصدر إلهي وبين تاريخ المتبعين لهذه الرسالات وما فيها من غلبة الانحراف عن المنهج وتغليب منطق القوة والاستبداد والبغي والعدوان والذي أدى إلى تفرق أتباع كل شريعة كل حزب بما لديهم فرحون، لذلك عندما نتحدث عن المحبة والتسامح فنحن نقصد جوهر الأديان وما تحويه من تفاصيل عديدة تدعو إلى نبذ العدوان والبغي والقتل والقهر تحت غطاء ديني، نحن ننتصر للمنهج والقيمة والمبدأ لا للانحراف عنهم، نحن ننتصر للمصدر والمنبع والأصل لا للفروع المنحرفة أو الصور المزيفة مهما غلبت على واقعنا وتأصلت في نفوس الكثير من الناس، نحن دائما ندعو إلى تفعيل المنهج لا تعطيله تحت دعاوى خادعة باسم نصرة المذهب أو الطائفة.
إن القرآن الكريم والسنة النبوية المطبقة لهذا المنهج الإلهي هي المنهج الأقوم والأعظم في تاريخ البشرية بشهادة المنصفين، لم يأت في تاريخ البشرية كرسولنا الكريم وأصحابه في تحمل معاناة ظروف عصرهم وقد أثنى الله عليهم في كتابه في مواضع عديده وعاتبهم في مواضع أخرى ولم تشهد غزوات النبي عدوانا وبغيا ولكن دفاعا عن الأنفس والأهل ومجتمعهم الناشئ والذي كان مهددا بأخطار قوى تحيط بهم وتريد أن تستأصلهم، ومع ذلك تعامل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بالصبر والتسامح والرحمة مع هذه الظروف الصعبة في بيئة لم تعرف من قبل هذا المنهج الأخلاقي والذي فتح الباب لأن يدخل الناس في دين الله أفواجا، ولذلك يجب أن نركز جهودنا في إحياء قيم التسامح والمحبة والعقلانية والصبر متخذين في ذلك الإسلام المحمدي نموذجا وقدوة في الشدة واللين، نحن للأسف نعيش في زمن يغلب عليه الوعي الخاطئ المزيف والذي أساء لديننا ورسولنا حتى تطاول على مقامه الشريف أعداء الاسلا م من داخل مجتمعنا وخارجه وذلك لهيمنة الفكر المذهبي الإقصائي على المسلمين وضاع رسول الله ومنهجه القرآني بين تلك الفرق والتي صدت عن سبيل الله ظلما وبهتانا.
كل الأمم تركز على رموزها القديمة والحديثة كعنوان للتسامح والمحبة ونحن نأبى أن ننصف رسول الله ومنهجه الأخلاقي العظيم وننسب إليه السيف والرمح لتحقيق مآرب سياسية أخرى تحت غطاء ديني..!
أفيقوا يرحمكم الله قبل فوات الأوان