بعد أن غادر البحارة بحسرة خليج ريودي جانيرو البرازيلي حيث أبحرت السفن الخمس تجاه الجنوب، الساحل الشرقي لأميركا الجنوبية، حيث وصلت السفن إلى ساحل سهلي متسع لإ نهاية له أطلق ماجلان على ذلك المكان اسم «مونيتفيدي» (وهي حاليا عاصمة جمهورية أوراغواي بأميركا الجنوبية) لجأت السفن الخمس إلى السهل الساحلي لاتقاء العاصفة ولم يكن ذلك الخليج غير مصب نهر «ريودى لابلاتا» وماجلان يجهل ذلك واعتقد أمام تلك الصفحة الهائلة من المياه انه عثر على الممر المائي الذي يبحث عنه، فأرسل ماجلان ثلاثا من السفن إلى القناة التي اعتقد انها تؤدي إلى الممر المائي والتي لم تكن غير نهر بلاتا ومحاولاته باءت بالفشل، فعلى ماجلان أن يضغط أعصابه وينبغي ألا يفطن أحد من رجاله إلى أي حد زعزعت خيبة الأمل ثقته بنفسه وتأكد ماجلان أن خريطة مرتان بيهايم خاطئة وتقارير البرتغاليين الخاصة باكتشاف ممر مزعوم عند درجة عرض 40 جنوبا من خط الاستواء غير صحيحة وخاطئة فلابد أن يكون الممر المائي بعيدا نحو الجنوب من الساحل الشرقي لأميركا الجنوبية.
ومعنى السير جنوبا سيكون قريبا من الأصقاع القطبية وشهرا فبراير ومارس لا يعنيان هنا نهاية فصل الشتاء بل بدايته فإذا لم يتم بسرعة اكتشاف الممر المائي في بحر الجنوب فالفصل الملائم يكون قد انتهى وستجد السفن نفسها أمام أمرين لا ثالث لهما: العودة إلى مناطق أكثر اعتدالا أو قضاء فصل الشتاء في هذا المكان.
وهنا بدأت الأفكار المزعجة تنتاب نفس ماجلان ولابد أن تكون الدنيا قد اسودت في عينيه فهو يرى الساحل قاتما عاريا قاحلا يوما بعد يوم ويرى السماء تزداد عبوسا والغيوم الكالحة تتلبد بها السماء الزرقاء واختفت الغابات الكثيفة التي كانت تداعب السفن القريبة من الساحل بنسماتها المنعشة والعيون لا تقع إلا على الطيور البحرية والحيوانات المائية ولا ترى على الشاطئ أثرا لكائن حي على مدى البصر، كل حياة انطفأت في تلك الفيافي المجهولة والرحلة تزداد عناء يوما بعد يوم وسرعة السفن تخف يوما عن يوم وماجلان يحتفظ بخط السير على مقربة من الساحل لا يحيد عنه وكل خليج مهما يكن صغيرا وكل مرفأ مهما يكن تافها يدرسه درسا وافيا وتقاس أعماق المياه فيه وأصبح ماجلان لا يعتمد على خريطة مرتان بيهايم وأصبح يتعلق بأهداب أمل أخير وهو أن تكون الخرائط وتقارير البرتغاليين قد أخطأت فقط في تحديد خط العرض ودرجته وأن تكون الطريق المنشودة واقعة في مكان أبعد من ذلك أي جنوب خط عرض 40 درجة.
ولما اقتربت السفن من جديد في 24 فبراير سنة 1520م من خليج كبير هو خليج سان ماتياس الأرجنتيني والزوابع والعواصف تقصف بالسفن قاصدة جهة الجنوب وهنا بدأ فصل الشتاء وبدأ البحارة يبدون قلقهم شيئا فشيئا متذمرين من أمير البحر ماجلان الذي ساقهم إلى هذه المناطق التي يزداد فيها البرد وتشتد الوحشة يوما بعد يوم وعبثا حاول ماجلان تهدئة الخواطر وفي وسع القافلة قضاء الشتاء في مكان دافئ وانتظار طقس ملائم لاستئناف السفر ولم يستطع ربابنة السفن أن يرغموه على الرجوع على أعقابه.
داهمت العاصفة سفن القافلة بشدة بالغة فهى تسير الآن ببطء وعناء وقد استغرق اجتياز مسافة لا تزيد على اثنتى عشرة درجة عرض إلى الجنوب نحو شهرين وأخيرا في 31 مارس بلغت السفن خليجا جديدا إنه خليج مغلق ومع ذلك فإن ماجلان أصدر أمره بدخول السفن منه حيث تتوافر المياه العذبة وتكثر الأسماك في ذلك الخليج إنه خليج سان جوليان الأرجنتيني القريب من خط العرض 49 درجة جنوبا من خط الاستواء وخليج سان جوليان الصغير المجهول عبارة عن بقعة قفراء وجرداء لم تطأها من قبل قدم على الإطلاق.
أمر ماجلان بقضاء فصل الشتاء في خليج سان جوليان.
وبلغت دهشة الربابنة والبحارة حد الذعر عندما علموا أن أمير البحر ماجلان قد اعتزم دون مشورتهم قضاء فصل الشتاء في خليج سان جوليان الأرجنتيني وهنا زادت الخصومات من قبل ربابنة السفن ضد ماجلان ويعلم أن شهورا سوف تنقضي قبل أن تصل السفن إلى بقاع معتدله لذا أصدر أمرا بتخفيض الخبز المجفف والمؤن الغذائية الأخرى وهذا القرار الجريء هو الذي أنقذ القافلة ولو لم يتصرف ماجلان على هذا النحو لما تمكنت السفن من إتمام تلك الرحلة العجيبة.
[email protected]