Note: English translation is not 100% accurate
هل انتهى تنظيم القاعدة؟
23 مايو 2011
المصدر : الأنباء
كيف تؤثر المستجدات الراهنة في الدول العربية من ثورات وتغييرات سلمية وحروب داخلية على مستقبل التنظيم؟
مكانة بن لادن الأسطورية كرمز روحي تجعل من الصعب العثور على خليفة له يحمل بعض صفاته المطلوبة لاستمرار مشروع غير موجود بشكل متكامل
عندما ظهر بول بريمر على شاشة التلفزيون وأعلن: لقد امسكنا به وهو يعني صدام حسين، كان جورج بوش مسرورا لهذا الانجاز لكن بقي في قلبه غصة: اين بن لادن الذي بارك تفجيرات 11 سبتمبر وأعلن مسؤولية القاعدة عن تنفيذها؟ أمضى بوش ولايتين وهو يحاول عبثا القبض عليه، لكن خلفه اوباما شاء ان يظهر بنفسه ويعلن مقتل اسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة بعد مطاردة لنحو 10 سنوات على يد قوة من الاستخبارات والقوات الخاصة. لم يقل اوباما انه ثأر لكن ذوي الضحايا وقسما من الأميركيين تعاملوا مع الحدث على انه ثأر.لم يقل انه تطبيق للقوانين لأنه قتل من دون محاكمة، وكأنما إعلانات أفلام الوسترن: «مطلوب حيا او ميتا» كانت تسري على هذه المهمة. شعر الأميركيون بالفرحة وتأكدوا من كفاءة استخباراتهم وقواتهم المسلحة. لا بأس هوليوود جاهزة للترويج والتخليد في سينما تمزج بين الواقع والخيال. الرئيس اوباما أكد على الانتصار وزار قاعدة فورت كامبل في ولاية كنتاكي وتحدث الى الجنود مباشرة وقال: «الزعيم الإرهابي الذي ضرب امتنا في 11 سبتمبر 2001 لن يهدد اميركا مجددا». وأضاف «نحن نحرز تقدما في هدفنا الرئيسي، في هدفنا المركزي في باكستان وافغانستان وهو عرقلة وتفكيك تنظيم القاعدة وسنهزمه في نهاية المطاف.لقد قطعنا رأسه وسنهزمهم في النهاية». لكن هل انتهى تنظيم القاعدة مع نهاية بن لادن ام انه سيستعيد نشاطه قريبا؟
الإسلام السياسي
ينطلق تنظيم القاعدة من الإسلام السياسي الذي تصاعد تأثيره وانتشاره بعد التراجع الكبير للاحزاب القومية العربية والشيوعية والاشتراكية.لا تمثل القاعدة غالبية في الإسلام السياسي ولا نسبة معتبرة فالتنظيم حسب خطابات بن لادن وبياناته يدعو الى تحقيق الأهداف بالعنف والأهداف تقتصر على مقاومة الوجود الغربي في الدول الإسلامية. لم تصدر القاعدة بيانات سياسية وانما ردود فعل على هذا الوجود والقهر الذي يقول ان المسلمين يتعرضون له. اما الإسلام السياسي كظاهرة سياسية فانه موجود وبقوة على الساحة السياسية الإسلامية قبل وجود القاعدة ومن المرجح ان يستمر بشكل افضل بعد تراجعها اثر مقتل بن لادن، يصنف وزير الخارجية الأردني السابق والباحث الكبير في مؤسسة كارنيغي الأميركية مروان المعشر الإسلام السياسي ضمن ثلاث فئات:
الأولى: تنظيم القاعدة والتنظيمات المشابهة الأخرى التي تعتمد العنف سبيلا ويشمل مسرح عملياتها جميع أنحاء العالم. انها تنظيمات متطرفة لا تهتم بإجراء تسويات، وهي تعتمد منطق من ليس معنا فهو ضدنا ولا مكان للحوار معها. خبا نفوذ القاعدة في العراق والمغرب ودول عديدة، بعد ان وصلت عقيدة العنف الى ذروتها وهي الآن في المنحدر التنازلي لكن هذا لا يعني ان القاعدة او التنظيمات المتشددة الأخرى قد انتهت، فهي تنشط في الدول التي لا تبسط سلطتها على اقسام من اراضيها مثلما كان الوضع في العراق سابقا او كما هو عليه الآن في بعض أجزاء اليمن.
الفئة الثانية: هي التنظيمات التي تعتمد العنف انما في مسرح عمليات محدد في الدول التي تخضع أراضيها للاحتلال وابرز مثال هما حركة حماس وحزب الله وهي تشارك في العملية السياسية في دولها ولها أعضاء في البرلمان والحكومة.
الفئة الثالثة: يعتبرها المعشر الأكثرية الساحقة من التنظيمات السياسية الإسلامية وأبرزها الاخوان المسلمون في مصر والأردن والكويت والمغرب واليمن وهي لا تعتمد العنف وتشارك في العملية السياسية في بلادها. ورغم ان هذه الفئة تشكل الأكثرية الساحقة فان القاعدة والتنظيمات المشابهة خطفت الأضواء بسبب اعمال العنف التي قاموا بها.
عقيدة التطرف
من المرجح ان يبقى كيان ما لهذه التنظيمات المتطرفة لان عقيدة التطرف موجودة ولو كان ذلك لدى أقلية من الإسلام السياسي. ان اللامركزية الواضحة في نشاط القاعدة (ان ما نشر مؤخرا عن وثائق عثر عليها في منزل بن لادن تشير الى انه يمارس قيادة على القاعدة لا يلغي مبدأ اللامركزية الذي تعمل وفقه) تسمح باستمرارها لكن الى اي مدى؟ والى متى؟ وكيف تؤثر المستجدات الراهنة في الدول العربية من ثورات وتغييرات سلمية وحروب داخلية على مستقبل القاعدة؟ وهل لدى هذه التنظيمات عقيدة خاصة بها؟
ليست القاعدة مذهبا ولا ايديولوجيا ولم يترك بن لادن او سواه من قادة التنظيم أعمالا فكرية أو كتبا توضح رؤيتهم الى الواقع الإسلامي الراهن وتعرض حلولا للمشكلات التي يعاني منها المسلمون في العالم. والمعروف انها تعتنق المنهج السلفي وهو سيبقى حاضرا في ذهنية شباب التنظيم وفي غيرهم من السلفيين ايضا الذين لا ينضوون تحت تنظيمات متطرفة، ولذلك لا يمكن مقارنة اسامة بن لادن بحسن البنا مؤسس الاخوان المسلمين، التي استمرت بسبب المضمون الفكري الإسلامي وتنظيمات التعاون الاجتماعي القائمة حتى اليوم، فالاخوان المسلمون لا يكتفون بالرؤية السياسية الدينية الاجتماعية ولكن هناك ايضا تقديمات وخدمات اجتماعية واقتصادية ملموسة في مصر تضاهي تقديمات النظام ان وجدت.لقد تعرض الاخوان المسلمون الى حرب أمنية غير متكافئة من النظام المصري، من دون أن يقدم النظام أي بديل فكري أو اجتماعي وحتى سياسي لان التننظيمات السياسية والاحزاب القائمة في مصر وبقية الدول الإسلامية أضحت عقيمة وفارغة وليس لها قضية سوى الدفاع عن النظام وهي تتواجد من قبيل الروتين السياسي وليس للدعوة السياسية او الفكرية، فكان ان نجح الاخوان في البقاء بينما سقط النظام في انتفاضة يناير. ولا يمكن مقارنته ايضا بالشيخ تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير الإسلامي الذي يدعو لقيام خلافة إسلامية ولايزال الحزب ناشطا في العديد من الدول الإسلامية رغم منعه في معظمها، بسبب طروحاته الفكرية والمؤلفات والمنشورات التي تركها. لم تترك القاعدة فكرا خاصا ولا قدمت رؤية متكاملة جديرة بالبقاء بعدها، لذلك فمصيرها التراجع لمصلحة الإسلام السياسي الذي لابد ان يرث جمهورها ومحازبيها.
أعمال العنف
في غياب المشروع السياسي الواضح لم يتبق من القاعدة سوى اعمال العنف التي بدا للعالم كله أنها عبثية لا تطرح مطالب سياسية محددة ولا تقدم نفسها بشكل يستقطب الجمهور من الشباب المسلم المقهور والطامح على حد سواء، لذلك كان سهلا على الغرب أن ينجح في وسم القاعدة وزعيمها بالإرهاب، وكان سهلا ايضا أن يتغاضى عن أي مظالم سياسية او حقوقية إنسانية كان يمكن لأي مقاومة أخرى تتمتع برؤية سياسية أن تطرحها. وقد دفعت المقاومة الفلسطينية ثمنا باهظا في حرب العلاقات العامة جراء الأعمال الإرهابية للقاعدة وكانت عمليات القاعدة لاسيما 11 سبتمبر السبب المباشر في التضييق على المقاومة الفلسطينية وعلى السلطة ايضا وفي وسم الولايات المتحدة حركتي حماس والجهاد الإسلامي بالإرهاب وكذلك حزب الله اللبناني بعدما كان المجتمع الدولي يعترف به كحركة مقاومة في تفاهم ابريل واللجنة الدولية المنبثقة عنه. ان ادعاء القاعدة ان هدفها هو إخراج الأميركيين من العراق وأفغانستان لا يقنع جمهورها الذي يؤمن اصلا بمقاومة هذا الاحتلال لان عملية 11 سبتمبر وتدمير برجي مركز التجارة العالمي كانت الذريعة التي اتخذتها الولايات المتحدة لغزو البلدين اللذين يدعو الى تحريرهما، وعندما شاهد الناس بن لادن على شاشات التلفزيون يبدي سروره بعد انهيار البرجين وموت الآلاف من الابرياء واعلانه ان النتيجة جاءت أكثر مما كان يتوقع، اذ انه كان يتصور حرق وهدم بضعة طوابق فقط، ولم يبد أي أسف على موت الأبرياء وهم رجال ونساء كانوا في اعمالهم، كل هذا جعل الرأي العام العالمي متيقنا من ان القاعدة هي فعلا منظمة إرهابية ورافضا اي تسوية او حوار معها كما ان هذا الغلو في ممارسة العنف ضد الأبرياء باسم الجهاد جعل غالبية المسلمين تجد صعوبة في تأييد القاعدة بل على العكس واجهت اعمالها استنكارا من اكبر المراجع الدينية الإسلامية في العالم على اختلاف مذاهبها. لم يشفع للقاعدة أمام الرأي العام الإسلامي والعربي التذرع بأنها تقاوم قوة أجنبية معتدية، فقد قاوم العرب والمسلمون منذ القديم ولايزالون، قوات احتلال أجنبية ولم يلجأوا فيها إلى القيام بأعمال إرهابية ضد المدنيين الأبرياء. لقد تسبب بن لادن وتنظيم القاعدة بضرر كبير لصورة الإسلام والمسلمين في العالم، لذلك سارعت منظمات المسلمين الأميركيين بالإعلان عن تأييدها لقتل بن لادن لأنه زعيم منظمة إرهابية قتلت الأبرياء.
رمز روحي
ان مكانـــــة بـــن لادن الاسطورية كرمز روحي لحركة المقاومة ضد الهيمنة الغربية وخصوصا الأميركية تجعل من الصعب العثور على خليفة له يحمل بعض صفاته المطلوبة لاستمرار مشروع غير موجود بشكل متكامل اصلا والاسم المطروح ايمن الظواهري لا يحقق إجماعا حوله، كما ان حركات المقاومة الشعبية المسلحة تنتهي عادة بموت قادتها الذين يتمتعون بكاريزما عالية كما حصل عند مقتل تشي غيفارا في بوليفيا حيث توقفت الثورة المسلحة واستغرق الأمر اكثر من أربعين عاما ليصل اليسار الى الحكم بطريقة ديموقراطية فيما تحول غيفارا نفسه الى رمز واتخذ ثوار في فلسطين وناشطون مصريون اسمه اعتزازا ثم تحول الى حلم ثم.. اغنية مشهورة. ان غياب بن لادن مع غياب قضية واضحة يعتنقها يجعل من الصعب استمرار نهجه. هو لم يطرح خطة حكم او مواجهة بل طرح دائما رفضا للوجود الأجنبي وتهديدا ووعيدا لهذا الوجود بان يد المجاهدين سوف تطالهم وغالبا ما يتم ذلك بواسطة عمليات انتحارية. ان الهجوم على سفارة او اختطاف سائح او صحافي أجنبي لا يقدم شيئا لنضال شعب يكافح للتخلص من هذا الوجود بل رأينا على العكس انه قدم تعقيدات كبيرة للمناضلين ليس اقلها الاتهام بالإرهاب. من غير المتوقع ان يستمر أي خليفة لبن لادن في هذا النهج فما خلا عمليات انتقامية منتظرة ردا على قتله، ويستبعد ان نجد امامنا تنظيما له خطط مواجهة وأجندة عمل واضحة.
جاء مقتل بن لادن بعد ثلاثة أشهر من انتصار الثورة الشعبية المصرية التي غيرت في ثمانية عشر يوما من التظاهرات السلمية ما فشلت حركات الإسلام السياسي الجهادية في تحقيقه منذ أكثر من نصف قرن مستخدمة نهجها المتشدد والمنفر لقطاعات كبيرة من النخب المثقفة والشباب ولاعتمادها الاغتيال السياسي منهجا لعملها منذ محاولة اغتيال عبد الناصر عام 1954 ثم اغتيال السادات الذي نتج عنه وصول أسوأ منه بالنسبة لهم الى السلطة ولم يكن الاغتيال حلا على الإطلاق. بينما استطاع الجيل الجديد من الشباب العصري المنفتح على التكنولوجيا العالمية والمستثمر لثورة الاتصالات والـ «فيس بوك» و«تويتر» تحديدا أن يحقق إنجاز التغيير بقيامه بثورة شعبية سلمية حضارية في شوارع مصر أذهلت العالم ونالت إعجابه كله بمن فيهم زعماء الغرب والولايات المتحدة نفسها الذين ذهلوا بهذه المشاهد المليونية وهي تخالف كل حساباتهم السياسية، واظهر الشباب الفارق الكبير بين حركات الجهاد التكفيرية العنيفة والتظاهرات التي انطلقت بشكل سلمي راق تطرح مطالب حقوقية إنسانية وطنية غير ملوثة بالتعصب والجهل الفكري، ثورة متفاهمة مع العصر وقيم الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان. هذه الثورة ومعها ايضا ثورة تونس جعلت فكر القاعدة هامشيا بل شاذا في سياق الانتفاضات الشعبية لا يلتفت اليه احد وجعلت الإسلام السياسي ينكفئ ويفسح المجال للشباب للقيام بتحركهم. بعد ان اسقط الشباب المحرمات وكسروا جدار الخوف لم تعد للقاعدة ولا لطروحاتها ضرورة من اجل تحقيق الأهداف الوطنية.
لم يعرض بن لادن في خطاباته اي هدف استراتيجي واقتصر كلامه على تهديد الولايات المتحدة والغرب من دون تقديم طروحات سياسية، ففي 11 سبتمبر حصلت التفجيرات التي هزت العالم لكن القاعدة لم تصدر أي بيان سياسي قبل التفجيرات ولا بعدها ولم تعلن مبررها السياسي والأخلاقي لهذا الهجوم الخطير. وفي حربه ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان كان بن لادن يهدف الى إخراج الجيش السوفييتي المحتل من أرض إسلامية، وبعد خروجه وسقوط الاتحاد السوفييتي اعتقدت عناصر القاعدة ان لهم الفضل الأكبر في سقوطه وظهور النظام العالمي الجديد فشعروا بثقة زائدة بالنفس فأخذوا يبحثون عن هدف جديد للجهاد، فكانت الولايات المتحدة الهدف الماثل أمامهم: دولة كبرى كافرة تحتل أرضا للمسلمين. ولكنهم توجهوا لتحقيق هدفهم في غياب اي رؤية سياسية لهذا العمل الذي هو في الأصل سياسي، ولكن حركة القاعدة كانت تتم بتأثيرات دينية وليس برؤية سياسية، ولذلك لم يحدد بن لادن أهدافا واضحة وحاول أن يلحق القطار ويتذرع بالقضية الفلسطينية لكنه لم يقدم لها سوى الإحراج ولم يقم بأي عمل ضد إسرائيل ولا في صالح الفلسطينيين.
القيمة الدينية
ان قيمة تنظيم القاعدة الدينية هي ضعيفة، اذا أخذنا بعين الاعتبار المرجعية الدينية او الفقهية التي يتبعها المسلمون في جميع أنحاء العالم. لا يوجد أي مفكر إسلامي ولا مرجع ديني ولا مفتي ديار يعلن نفسه مؤيدا للقاعدة واذا توسعنا لوجدنا عددا قليلا من أئمة المساجد في العالم يؤيد بن لادن والقاعدة فيما الأكثرية تعلن صراحة معارضتها للتنظيم. والأكثر من ذلك ان القاعدة لم تكن يوما عامل توحيد ديني للمذاهب المختلفة، فأداؤها كان على العكس يميز بين المذاهب ويكفر بعضها وقد نفذت عمليات انتحارية ضد اتباع بعض المذاهب بسبب خلاف فكري او فقهي. وبالتالي لم تعد القاعدة عنصر جذب للشباب المسلم ولم تعد تطرح أي حلول للمشاكل الراهنة وفي أحيان كثيرة صارت جزءا من المشكلة ان لم تكن مشكلة بحد ذاتها في بعض الأحيان. وقعت القاعدة مؤخرا في ارتباك سياسي سلط الضوء على أهليتها في السياسة وابرز ما حصل هو في ليبيا واليمن. في ليبيا تقف جماعات المعارضة الى جانب الثوار التابعين للمجلس الانتقالي ووجدت نفسها فجأة في صف الولايات المتحدة والغرب وبعدما اعلن ابرز قياداتها عبدالحكيم حاسد انحيازه للثوار ووقوفه ضد التدخل الأجنبي لم يظهر أي موقف عملي من التدخل الاطلسي الحاصل حاليا ومن السخرية بمكان ان تكون القاعدة تنسق ولو من بعيد مع وكالة المخابرات المركزية الأميركية في ليبيا فيما تطاردها الوكالة في سائر أنحاء العالم. وكان القذافي قد وصف المعارضين بأنهم تابعون لتنظيم القاعدة وقيل انه يبتز الغرب بهذه الاتهامات لكن الشقاق مازال واقعا بين القاعدة والقذافي الذي يواجه القوات الجوية الأميركية والأوروبية ويحتمل ان ينتهي الأمر بإنزال بحري ومعارك برية وعندها سوف تكون القاعدة مصطفة عكس توجهاتها المعلنة. والأمر نفسه في اليمن حيث تقف القاعدة بشدة ضد النظام اليمني بقيادة الرئيس علي عبدالله صالح وتتهمه بأنه أداة أميركية لكن المعارضة اليمنية تضم في صفوفها من هم ليسوا بعيدين عن الولايات المتحدة مما جعل موقع القاعدة السياسي ملتبسا ومغايرا لما يفترض ان تكون عليه. كل ذلك ناتج عن انعدام الرؤية السياسية للتنظيم في حياة بن لادن فكيف سيكون عليه الحال بعد رحيله؟ هذا الوضع يبعد الشباب في اليمن وليبيا عن تنظيم القاعدة ويفقدها الإغراءات الوطنية التي كانت تنفرد بها باعتبار انها طليعة من قاتل الغرب الصليبي. السؤال الذي يطرح نفسه في هاتين الحالتين هو اين الفسطاطين اللذين تحدث عنهما بن لادن وفي أي فسطاط يقف الشباب المسلم؟
الصراع العربي ـ الإسرائيلي
في الموقف من الصراع العربي ـ الإسرائيلي تعاني القاعدة من ازدواجية غريبة، فهي على حد قول العديد من المحللين السياسيين لم تقم بأي عملية ضد إسرائيل وكان قادتها وأبرزهم أيمن الظواهري وابو مصعب الزرقاوي انتقدوا حزب الله حتى عندما شنت إسرائيل عام 2006 حربها ضد لبنان مستهدفة حزب الله في اعنف هجمات تدميرية يشهدها لبنان والمنطقة لم تحرك القاعدة ساكنا فيما أعلن الكثيرون من القيادات الإسلامية دعمها لحزب الله واعتزازها بتصديه لإسرائيل وانتصاره عليها. والأمر نفسه حصل مع حركة حماس التي تعرضت لانتقادات علنية من قيادات القاعدة وعندما حاولت إسرائيل القضاء عليها بشن حرب مدمرة عام 2008 ـ 2009 لم تحرك القاعدة ساكنا أيضا. كما ان صمود حماس وانتصارها على إسرائيل لم يعن شيئا للقاعدة وهذا ما جعل الشباب المسلم يبتعد عنها وخصوصا في بلاد الشام أي سورية وفلسطين. ومجددا تطرح معادلة الفسطاطين نفسها مع حركة حماس وحزب الله وموقف قيادة القاعدة الملتبس وابتعاد الشباب المسلم عنها.
في النهاية أعلنت الولايات المتحدة ان وحدة عسكرية ـ استخبارية قتلت أسامة بن لادن وفور الإعلان جرى تحذير الرعايا الأميركيين في جميع أنحاء العالم من احتمال عمليات انتقام ينفذها التنظيم ووصلت بعض الأخبار الى الترويج ان القاعدة تخبئ قنبلة نووية وسوف تفجرها انتقاما لمقتل بن لادن. لكن ونحن في الاسبوع الثاني بعد الوفاة لم يسجل أي تحرك على الأرض لإظهار الاحتجاج على قتل بن لادن، لا تظاهرات في موسم التظاهرات ولا جموع ولا صلاة غائب جامعة ولا بيانات من شخصيات لها مصداقية تمثيلية.هل كان الأميركيون لا يتوقعون اي ردود فعل على الاغتيال ولذلك أعلنوا انهم قتلوه في عملية عسكرية غير آبهين لأي ردة فعل لا يتوقعونها اصلا ثم تمادوا في فعلهم وقرروا دفنه بإلقاء جثته في البحر رغم علمهم بأن ذلك ينافي الشريعة الإسلامية؟ الواضح ان سببا أساسيا لعدم حصول ردود فعل على الاغتيال هو نفور الجمهور المسلم، وخصوصا الشباب، من القاعدة وطروحاتها وسلوكياتها وفشل قيادتها باستمالة الشباب ولهذا تميل التوقعات لمصلحة من يرى ان القاعدة بعد بن لادن سوف تعيش مراحلها النهائية الى ان تصبح في يوم غير بعيد جزءا من ماضي يتناقله الناس للتندر والعبر. لكن ذلك لا يلغي ان تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن تحديدا طبع العالم بمرحلة جديدة وروج تفكيرا جهاديا وبث الرعب والشكوك في المطارات والمدن الكبرى ومحطات سكة الحديد والموانئ وخلق «صناعة الأمن» التي باتت رائجة في العمارات والمحال التجارية والمؤسسات على اختلافها ويكفي ان الولايات المتحدة أنشأت وزارة الأمن الوطني بعد 11 سبتمبر وكذلك اصبح للمجموعة الاستخبارية رئيسا غير مدير وكالة المخابرات المركزية وتغيرت إجراءات سمات الدخول ومعاملة الأجانب في معظم دول أوروبا وأميركا. انها بحق كانت مرحلة القاعدة وبن لادن.
بقلم: إلياس فرحات عميد ركن متقاعد في الجيش اللبناني