Note: English translation is not 100% accurate
رحلة في أعماق التاريخ والحضارة وكنوز الطبيعة (6)
قافلة الإعلام السياحي الخليجي في نجران وجازان ومكة المكرمة
27 مارس 2012
المصدر : الأنباء



مكة المكرمة - عاطف عيسى
تجربة مدهشة وممتعة في آن ان تجد نفسك تغادر عصرك وتغوص ضمن قافلة اعلامية، في اعماق التاريخ، وتقلب صفحات التراث وتطالع معالم الحضارات، تبدأ من العصر الحجري ونشأة الانسان وتمر في سرعة وخفة الى حضارات ما قبل الميلاد، ثم الى عصور متأخرة قبل مئات السنين من مبعث الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم مرورا بعهود الخلفاء الراشدين ثم دولة بني امية فبني العباس وصولا للعهد العثماني فالعصر الحاضر.
هكذا كانت التجربة المدهشة في قافلة الاعلام الخليجي السياحي التي تنظمها الهيئة العامة للسياحة والآثار في المملكة العربية السعودية، بادئة بالرياض عاصمة المملكة وحاضرتها، لترتد سريعا الى نجران حيث التاريخ والحضارة بدءا بمطارها الاحدث في المملكة ثم الاخدود الشهير فالآبار التي تعود الى آلاف السنين ومواقع اثرية وحضارية في نجران التاريخ، ثم كان الانتقال السريع الى جازان حيث كنوز الطبيعة المتنوعة، الساحل الجميل والجزر البكر الخلابة، والجبال الشاهقة والقرى التراثية المتميزة. وكان الختام في مكة ام القرى، حيث اعلى ساعة في العالم، وغار ثور وغار حراء ومتحف الحرمين ومصنع كسوة الكعبة الشريعة، رحلة استمرت 10 ايام كاملة، شاركت فيها «الأنباء» ضمن فريق اعلامي كويتي ضم تلفزيون الكويت وتلفزيوني وجريدتي الوطن والراي الى جانب وسائل اعلامية ومحطات تلفزيونية خليجية وعربية. ولنبدأ من حيث النهاية، من مكة المكرمة، فجازان ونهاية نجران.
قافلة الإعلام السياحي الخليجي لامست السحب في أجمل بقاع جازان
جبال فيفاء.. سياحة مدهشة في سقف الأرض
.. نعم سياحة في سقف الأرض، تلك التجربة الممتعة والمرعبة التي عاشتها قافلة الإعلام السياحي الخليجي في ثاني أيام زيارتها لجازان، جازان متعددة التضاريس، السهلي والجبلي والبحري، من سطح الأرض كان الصعود الى سقف الأرض في جبال فيفاء، تلك السلسلة المتصلة بعضها ببعض والتي تمتاز باعتدال مناخها، في الصيف وبرودته في الشتاء، كما تمتاز بمدرجاتها الخضراء ومبانيها التراثية ذات الطراز المعماري الجميل. ويمتد الطريق من جازان الى جبال فيفاء الى 35 كيلومترا عن طريق «صبيا» وتبتعد عن مطار جازان بنحو 90 كيلومترا، أحد أهم معالم السياحة الجبلية في جازان الى جانب جبال العبادل وجبال بني مالك وجبال الحشر والتي ترتفع لأكثر من 2300 متر، وجبال القهر التي تماثلها تقريبا في الارتفاع، وجبال قيس وجبال آل يحيى الأعلى ارتفاعا بـ 2621 مترا وأيضا مجموعة أخرى من الجبال أشهرها الأسود وشهران.
بعد زيارة القرية التراثية والتعرف على بيئات منطقة جازان المختلفة، الجبلية والتهامية والساحلية، والطرز المعمارية فيها الى جانب تراث وعادات المنطقة، وبعد عشاء فاخر من الأسماك والمأكولات البحرية في «مرسى الأحلام» خلد أعضاء قافلة الإعلام السياحي الخليجي للنوم منهين أول يوم من زيارتهم لجازان، ومترقبين لليوم الثاني للزيارة البادئ بصعود جبال فيفاء.
في الصباح، حملنا باص القافلة واتجه الى الموقع مسافة طويلة قبل أن تستقل القافلة سيارات الدفع الرباعي أسفل الجبال التي ناظرناها من بعيد بمدرجاتها الجميلة الخضراء ومبانيها الدائرية البديعة.
وبدأت عملية الصعود المرعبة والممتعة في آن، صعود يبدأ من سطح الأرض وصولا الى نحو 1800 متر، على طريق يحده يمينا أو يسارا الجبل، ومن الجهة الأخرى يطالعك الوادي العميق الذي يزداد عمقا كلما صعدت للأعلى، وتأخذ بلبك مشاهد المدرجات الخضراء المزروعة بمختلف أنواع المزروعات، وتدهشك البيوت المبنية على هذه المدرجات بطريقتها الجبلية البديعة، ولشد ما أدهشني عدد من القرى المتناثرة على قمة الجبل، واختراق طريق معين لهذا الجبل من قرية الدائر.
عالم آخر يعيش هناك، بشر تعودوا على هذا الصعود الذي يشكل مغامرة يومية، مدارس ومستشفيات، ومحاكم وبقالات وخدمات مختلفة، هنا في سقف الأرض.
وبعد نحو 30 دقيقة من الصعود وصلت القافلة بسيارات الدفع الرباعي الى مضافة الهيئة العامة للسياحة والآثار، والواقعة على أجمل مطلات جبال فيفاء في المضافة قام مرشدو الهيئة بشرح مفصل عن المعلم السياحي المهم في جازان، والاستراتيجية الموضوعة لتطويره، بحيث يصبح مزارا سهلا وميسرا لراغبي السياحة الجبلية خصوصا ان المنطقة تضم أيضا نحو 7 من الجبال الشيقة وربما أبدع من جبال فيفاء.
وتحدث م.رستم قيس مؤكدا وجود خطة للتطوير واقامة نزل للزوار ومضافات في أعلى قمة الجبل مشيدا بتعاون إمارة جازان واهتمامها بخطط تسريع مثل هذا المشروع وغيره من مشاريع السياحة الجبلية في المنطقة.
ونحن في القمة، وعلى بعد 1813 مترا من سطح الأرض، ثار في ذهني تساؤل: ما الذي يدفع أناسا للعيش في هذه البقعة الصعبة، ويتعنون يوميا عملية الصعود والنزول؟ وما ظروف وأحوال نحو ألف نسمة يحيون في هذه الجبال؟
وطرحت هذه التساؤلات على أحد أبناء المنطقة وهو مرشد سياحي تابع للهيئة العامة للسياحة والآثار واسمه علي احمد العبدلي فقال: هذه منطقة جبلية مفصولة عن جبال السراوات التي تمتد على البحر الأحمر الى اليمن وعسير، وتتسبب المياه الجارية عليها طوال العام في تكوين أودية تحتها مثل وادي جوراء، واستوطنت فيفاء قديما جدا، بواسطة أفراد وليس تجمعات، وهذا بخلاف ما جبل عليه البشر من حب الاجتماع، ولكن لأنه تم استيطان فيفاء بواسطة أفراد فقد تكونت البيوت المتفرقة على مدرجات الجبال، وتتحدد مكانة الفرد في المجتمع بمساحة البيت الذي يسكنه.
واضاف: يسكن جبال فيفاء نحو 18 قبيلة، وبالفعل كان يسود المنطقة النظام القبلي بكل تفاصيله حتى أحكمت الدولة السعودية سيطرتها على المنطقة.
وتابع: طوع سكان فيفاء الجبال للحياة بإنشاء المدرجات التي يستغلونها في الزراعة، لأن المنطقة كانت دائمة الأمطار وبالتالي دائمة الخضرة ما شجع على الاستقرار والزراعة على مدار العام، وكانت لهم طرق متعارف عليها للصعود والنزول من الجبل كالطرق المتعارف عليها اليوم وكانت وعرة جدا، وساعدتهم الدواب في تحمل هذه الحياة الشاقة.
وأكد العبدلي انه وبعد وصول الحكم السعودي للمنطقة وفرت الدولة جميع الخدمات، فهنا في فيفاء يوجد مستشفى ومدارس ومحكمة وتقريبا جميع الخدمات التي يتطلبها أي مجتمع.
وشدد على ان التعليم في فيفاء متميز، وهو تعليم يرتكز على مسيرة قديمة قامت بجهود ذاتية، وحبهم للتعليم جعلهم يأتون بالأشراف من اليمن ليعلموا أبناءهم القراءة والكتابة والعلوم الأخرى، وكان يوجد 16 مدرسة قبل وصول الحكم السعودي لتعليم البنات القراءة والكتابة وعلوم القرآن، والآن يوجد مبتعثون من فيفاء الى 21 دولة في العالم، ومنهم ديبلوماسيون، وأبناء فيفاء كانوا يكملون تعليمهم الجامعي في ابها قبل ان تنشأ جامعة جازان، وفرع لجامعتها في الداير وهي مركز قريب جدا من فيفاء، فأنهى ذلك اغتراب أبناء فيفاء التعليمي.
وقال العبدلي: أبناء فيفاء يبلغون نحو 60 ألف نسمة منهم 20 ألفا يسكنون فيفاء بالفعل والباقون موجودون في كل أنحاء العالم.
وعن أهم المهن التي يشتغل بها أبناء فيفاء قال: لم تعد الزراعة المهنة الرئيسية لأبناء فيفاء، والتحق معظمهم بالدوائر الحكومية والأعمال الخاصة في التجارة وغيرها، ولا توجد مهن حرفية في المنطقة، حتى حرث المدرجات أصبح يتم بالأيادي الأجنبية.
منطقة متميزة
٭ فيفاء منطقة تتبع إمارة جازان مباشرة ولا تتبع أيا من مراكز المنطقة، وتحيط بها المياه من جميع الجهات مكونة أودية متعددة أطلق عليها أبناء فيفاء أسماء محددة.
بيوت أسطوانية
٭ معظم البيوت المنشأة على مدرجات جبال فيفاء اسطوانية لتناسب قلة المساحة المتوافرة وهو الشكل الأنسب لمقاومة عوامل الطبيعة الصعبة للمنطقة.
مقبرة لكل عائلة
٭ نظرا لضيق مساحات المدرجات، تحتم على كل عائلة أن تبني مقبرة خاصة بها، حيث لا يمكن توفير مساحة كبيرة تضم مقابر جميع أهل المنطقة.
كل بيت له مسمى
٭ تشتهر منطقة جبال فيفاء بالمسميات، فكل بيت من هذه المنطقة له مسمى، كل مدرج له مسمى.
الموز والبن
٭ اشتهرت المنطقة عندما كانت الزراعة هي المهنة الرئيسية لأبنائها بزراعة الموز والبن، وأيضا زراعة الحبوب بالفصول المختلفة كالذرة والدخن.
النظام القبلي
٭ مازال النظام القبلي هو السائد في المنطقة التي يسكنها نحو 18 قبيلة، ولكل قبيلة شيخ يجمعهم، شيخ شمل ويرتبطون بإمارة المنطقة وليسوا كالعمد المرتبطين بمركز الشرطة.
القات في فيفاء
٭ من الأشجار التي كانت تزرع قديما شجرة القات، وكان يستغل اقتصاديا وذلك لندرة الموارد، ولأنها شجرة تتحمل العطش وتبقى لفترات طويلة، لكن بعد التوعية ومعرفة أهالي المنطقة بضررها وضرر تناول القات، والذي يصل الى التحريم في بعض الآراء، بدأ أهالي المنطقة بخلع أشجارها ولم يتبق إلا القليل منها، وهي في طريقها للزوال.
الصرف الصحي
٭ كانت شكوى أهالي فيفاء الأساسية هي الصرف الصحي والذي يهدد بالفعل بيوتهم، لأنهم يستخدمون خزانات مفتوحة القاع لكن رسا مشروع أخيرا على إحدى الشركات لتنفيذ مشروع الصرف الصحي بشكل عصري وحديث وتقوم الشركة الآن بوضع التصاميم الخاصة بالمشروع قبل البدء بتنفيذه.
مياه الري
٭ يعتمد أهالي فيفاء على مياه الصهاريج التي تجلب من أسفل الوادي، وهي عبارة عن مكرمة ملكية للأهالي تملأ خزاناتهم بشكل مجاني.
انهيارات
٭ تشكل السيول بعض الخطر على المنطقة لما يمكن أن تسببه من انهيارات في البنية الصخرية والبيوت المقامة عليها.
التلفريك
٭ تمنى العبدلي أن يتم إنشاء تلفريك ييسر على الأهالي وكذلك السياح والزائرون صعود الجبال والتمتع برؤية هذه البيئة الجميلة.