Note: English translation is not 100% accurate
رحلة في أعماق التاريخ والحضارة وكنوز الطبيعة (8)
قافلة الإعلام السياحي الخليجي في نجران وجازان ومكة المكرمة
29 مارس 2012
المصدر : الأنباء







جازان - عاطف عيسى
تجربة مدهشة وممتعة في آن ان تجد نفسك تغادر عصرك وتغوص ضمن قافلة اعلامية، في اعماق التاريخ، وتقلب صفحات التراث وتطالع معالم الحضارات، تبدأ من العصر الحجري ونشأة الانسان وتمر في سرعة وخفة الى حضارات ما قبل الميلاد، ثم الى عصور متأخرة قبل مئات السنين من مبعث الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم مرورا بعهود الخلفاء الراشدين ثم دولة بني امية فبني العباس وصولا للعهد العثماني فالعصر الحاضر.
هكذا كانت التجربة المدهشة في قافلة الاعلام الخليجي السياحي التي تنظمها الهيئة العامة للسياحة والآثار في المملكة العربية السعودية، بادئة بالرياض عاصمة المملكة وحاضرتها، لترتد سريعا الى نجران حيث التاريخ والحضارة بدءا بمطارها الاحدث في المملكة ثم الاخدود الشهير فالآبار التي تعود الى آلاف السنين ومواقع اثرية وحضارية في نجران التاريخ، ثم كان الانتقال السريع الى جازان حيث كنوز الطبيعة المتنوعة، الساحل الجميل والجزر البكر الخلابة، والجبال الشاهقة والقرى التراثية المتميزة. وكان الختام في مكة ام القرى، حيث اعلى ساعة في العالم، وغار ثور وغار حراء ومتحف الحرمين ومصنع كسوة الكعبة الشريعة، رحلة استمرت 10 ايام كاملة، شاركت فيها «الأنباء» ضمن فريق اعلامي كويتي ضم تلفزيون الكويت وتلفزيوني وجريدتي الوطن والراي الى جانب وسائل اعلامية ومحطات تلفزيونية خليجية وعربية. ولنبدأ من حيث النهاية، من مكة المكرمة، فجازان ونهاية نجران.
كانت المنتجع الصيفي لسكان الفرسان بالتزامن مع «العاصف» وموسم الأفراح والزيجات
«القُصار» تروي تاريخ الجنوب السعودي.. وحكاية التواصل مع العالم
لم ينته اليوم الفرساني بعد، فهذه الجزيرة العذراء الحالمة زاخرة بالآثار والحضارة، فضلا عن تمتعها بمقومات الروعة والجمال، ولا تكفي سويعات لتقصي هذا الجمال وتلك الروعة. روعة الشواطئ التي تمتعت بها القافلة في فندق ومنتجع كورال لخصتها رحلة صيد في بحر فرسان. جولة التاريخ والآثار كانت في قرية القصار والتي تولى خلالها الاستاذ إبراهيم مفتاح الشرح عن تاريخ القرية وأهميتها في فرسان.
جولتنا في قرية القصار أطلعتنا على ملامح الحياة قديما لسكانها الذين هجروها منذ ما يقرب من 40 عاما والقرية أثرية مبنية بالحجارة وجريد النخل، وتبعد عن فرسان بنحو 5 كيلومترات، وكان الفرسانيون ـ كما يروي الأستاذ إبراهيم مفتاح ـ ينتقلون اليها على ظهور الجمال فيما يسمونه بـ «الشدة» ويكون ذلك بعد موسم سمك الحريد في أواخر أبريل من كل عام.
ويؤكد مفتاح أن «القصار» كانت تشكل أهمية كبيرة للفرسانيين كونها منتجعا صيفيا يقضي فيه الفرسانيون ما يزيد على الثلاثة أشهر متزامنة مع موسم «العاصف»، وهي رياح الشمال الصيفية المعلنة عن موسم استواء رطب نخيلها، كما تمتاز القصار بعذوبة مياهها الجوفية وقربها من السطح، حيث لا يزيد عمقها عن السبعة أمتار، ولما كانت هذه القرية مهمة لدى الفرسانيين فإنهم كانوا يؤجلون أفراحهم حتى هذا الموسم.
في جولتنا تعرفنا على عدد من الآبار التي كانت تشكل المورد الرئيسي للمياه العذبة لأهالي القرية، فضلا عن البحارة الذين يبحرون للغوص على اللؤلؤ طوال شهور، وشاهدنا بعض الحجارة ذات النقوش الحميرية الى جانب التعرف على أكبر واحة نخيل في جزر فرسان.
في القصار يبدو موقع الكدي الأثري الشهير، ويوضح الموقع أن فترة الاستيطان كانت قديمة، حيث هناك أعمدة اسطوانية وكتل حجرية منقوش عليها بعض الحروف بالخط المسند.
وعلى بعد نحو كيلوين من القصار تظهر قلعة لقمان، على جبل مرتفع، وتظهر عليها أطلال برج أو حصن دفاعي قطره أكثر من 10 أمتار مبني بحجارة ضخمة، في موقع إستراتيجي يطل على ساحة واسعة من الجزيرة، وربما يعود الموقع لفترات إسلامية متأخرة.
ومن اهم معالم فرسان قرية المحرق التي لاتزال مأهولة بالسكان وبيت الجرمن في جزيرة قماح، ويعرف ايضا بالقلعة الالمانية وبني اثناء التحالف التركي ـ الألماني عام 1901 ليكون مستودعا للفحم الحجري المستخدم وقودا للقوافل العابرة للبحر الأحمر بين قناة السويس وباب المندب.
وفي وسط فرسان يبرز منزلا احمد منور الرفاعي واللذان صدر قرار من خادم الحرمين الشريفين بتحويلهما الى مركز اشعاع حضاري واثري وثقافي ومعلم سياحي بارز بعد ترميمهما وانشاء مكتبة عامة بجوارهما، وما يميز المنزلين جدرانهما المغطاة بزخارف هندسية جصية رائعة، والشبابيك بأقواس وعقود زخرفية غائرة وأعلى الواجهة والباب شريط من الآيات القرآنية الكريمة يبدأ بالبسملة وبداية سورة الفتح.
وفي فرسان ايضا مسجد ابراهيم النجدي وهو رجل قدم من حوطة بني تميم ويعد احد اكبر تجار اللؤلؤ في فرسان وجلب منبره ومحرابه من الهند.
المسجد ذو المحرابين
في قرية القصار لاحظنا مسجدا بمحرابين، سألنا المحقق والباحث الاستاذ ابراهيم مفتاح فأجابنا بقوله: ربما يظن الرائي ان وراء هذين المحرابين خلافا مذهبيا أو ما إلى ذلك، لكن أؤكد ان فرسان لم تعرف أبدا مثل تلك الخلافات المذهبية، والقصة ان أحد كبار رجال الأعمال تبرع بمبلغ 20 ألف ريال لتطوير القرية وتحديثها، وعندما بدأ الأهالي في توسيع المسجد، عملوا محرابا آخر على أساس انهم يهدمون المحراب الأول، ولكن لم يتمكنوا من هدمه بعد هجرتهم للقرية الى فرسان اثر تطور الحياة وتمدنها، وبقي هذا المسجد بمحرابيه، وربما يكون هو المسجد الوحيد ذو المحرابين.
بيوت بأسماء حقيقية
البيوت في قرية القصار مازالت ملكا لأهلها الذين كانوا يسكنونها، وكل بيت مكتوب عليه اسم مالكه وأوضح لنا الاستاذ ابراهيم مفتاح انه يعرف كل هذه البيوت ويعرف ساكنيها وملاكها لأنه عاش معظم حياته فيها.
بئر لتموين بحارة السفن
احدى الآبار القديمة في القرية حكى لنا الاستاذ ابراهيم مفتاح انها كانت الممول الرئيسي لبحارة السفن التي تسافر للغوص لجمع اللؤلؤ بالمياه العذبة، التي تعبأ في مواعين (مفردها ماعون) وسمي «السقية» وتكفي البحارة طوال ايام غوصهم.
فرسان واللؤلؤ
مما يروى عن صلة أهل فرسان بمحيطهم الخارجي ان البحارة، كانوا يبيعون حصيلتهم من اللؤلؤ الى التجار الذين يسافرون الى بلاد الهند للتجارة في هذا الجوهر الثمين، ولذلك اكتسب تجار فرسان كثيرا من العادات ونظم المعيشة والطرز المعمارية من الهند وهذا واضح في نوع بيوت فرسان وهي بيوت طبقة التجار.
الزيلعي وأم وحيد.. متحف من صدف
في أحد شوارع فرسان، توقفت الحافلة الصغيرة التي كانت تقل عددا من اعلاميي القافلة يقودهم م.رستم قبيسي امام مبنى بسيط متعدد الطوابق، صعدنا للطابق الاول، ودلفنا الى شقة حيث يخيل اليك للوهلة الاولى انك نزلت الى قاع بحر فرسان، فكل ما يطالعك انتاج بحري من اصداف بيضاء تشكلت بيوتا وسيوفا واواني، وغيرها من الاشكال، كائنات بحرية محنطة، وشعاب مرجانية، واسماك متعددة الالوان.
اشار لنا م.قبيسي بالتمهل قبل القاء الاسئلة والاستفسارات، فصاحب الشقة لم يأت بعد، واستمر الاندهاش حتى وصل «الزيلعي»، رجل بسيط منحه الله موهبة فنية استخدمها افضل استخدام، تجول بنا في متحفه البديع وشرح لنا كل قطعة وكيف صنعها، وكيف ساعدته حرمه ام وحيد في ذلك، وما طموحه بعد هذا المتحف الرائع.
يقول: بدأت في عمل هذا المتحف منذ نحو 15 او 16 عاما، بمعاونة زوجتي ام وحيد، المتحف يضم عدة نماذج، وشعبا مرجانية، واصدافا، واسماكا محنطة، وسلاحف، واشياء اخرى، ولدينا كم هائل من المعروضات، وقد شاركت بالمتحف في عدة معارض محلية، ولدي دعوة للمشاركة في معرض بقطر.
واضاف: ما دفعني للاشتغال بهذا الامر هو وجود الشعاب المرجانية والاصداف بكميات كبيرة في فرسان، واكد الزيلعي انه لا ولن يبيع مقتنيات هذا المتحف الذي صنع قطعه بيده بمعاونة زوجته، وفي بعض الاحيان اشترى قطعا بآلاف الريالات.
وتمنى ان يحظى متحفه بدعم الهيئة العامة للسياحة والآثار، بمنحه موقعا مناسبا لعرض متحفه بدلا من هذه الشقة الصغيرة.
وعن كيفية تعلمه هذه الصنعة، قال الزيلعي: هذا سر، فانا اعرف التحنيط واجيده لكن لن اكشف سر صنعتي لاحد، وعن دور زوجته ام وحيد، يقول: هي تجيد صنع اشياء نسائية من الاصداف ومقتنيات البحر وبعض التحف الاخرى.
وتابع: زارني كثير من الديبلوماسيين والشخصيات المهمة ومنهم سفير الكويت السابق في المملكة الشيخ حمد جابر العلي ولي صورة معه كما ترون.