Note: English translation is not 100% accurate
رحلة في أعماق التاريخ والحضارة وكنوز الطبيعة (9)
قافلة الإعلام السياحي الخليجي في نجران وجازان ومكة المكرمة
30 مارس 2012
المصدر : الأنباء






جازان - عاطف عيسى
تجربة مدهشة وممتعة في آن ان تجد نفسك تغادر عصرك وتغوص ضمن قافلة اعلامية، في اعماق التاريخ، وتقلب صفحات التراث وتطالع معالم الحضارات، تبدأ من العصر الحجري ونشأة الانسان وتمر في سرعة وخفة الى حضارات ما قبل الميلاد، ثم الى عصور متأخرة قبل مئات السنين من مبعث الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم مرورا بعهود الخلفاء الراشدين ثم دولة بني امية فبني العباس وصولا للعهد العثماني فالعصر الحاضر.
هكذا كانت التجربة المدهشة في قافلة الاعلام الخليجي السياحي التي تنظمها الهيئة العامة للسياحة والآثار في المملكة العربية السعودية، بادئة بالرياض عاصمة المملكة وحاضرتها، لترتد سريعا الى نجران حيث التاريخ والحضارة بدءا بمطارها الاحدث في المملكة ثم الاخدود الشهير فالآبار التي تعود الى آلاف السنين ومواقع اثرية وحضارية في نجران التاريخ، ثم كان الانتقال السريع الى جازان حيث كنوز الطبيعة المتنوعة، الساحل الجميل والجزر البكر الخلابة، والجبال الشاهقة والقرى التراثية المتميزة. وكان الختام في مكة ام القرى، حيث اعلى ساعة في العالم، وغار ثور وغار حراء ومتحف الحرمين ومصنع كسوة الكعبة الشريعة، رحلة استمرت 10 ايام كاملة، شاركت فيها «الأنباء» ضمن فريق اعلامي كويتي ضم تلفزيون الكويت وتلفزيوني وجريدتي الوطن والراي الى جانب وسائل اعلامية ومحطات تلفزيونية خليجية وعربية. ولنبدأ من حيث النهاية، من مكة المكرمة، فجازان ونهاية نجران.
آية في الجمال الطبيعي في جازان.. صدع محفوف بجبلين شاهقين ومياه جارية وحدائق معلقة
وادي لجب في جبل القهر.. شاهد على الانكسار الأفريقي العظيم
اليوم الأخير للقافلة في جازان كان أكثرها إثارة وتشويقا، فرغم ان تجربة صعود جبل فيفاء، والإبحار الى جزيرة فرسان، والاستمتاع برحلة صيد في البحر الأحمر، شكلت فقرات سياحية غريبة وشيقة إلا أن ختام مرحلة جازان كان الأكثر إثارة، زاده إصرار مدير المشروع الزميل محمد الرشيد على اتمام فقرات البرنامج مباشرة بعد العودة من فرسان ودون أخذ أي قسط من الراحة، فانطلقت القافلة بسيارات الدفع الرباعي الى مغامرة أخرى تبعد عن المدينة جازان بما يعادل ساعتين ونصف الساعة من الزمن، اذن الرحلة الى وادي لجب، وهناك كانت المغامرة التي سبقها نوع من التمهيد.
في متحف جازان بمدينة صبيا توقفت، وتوقف إعلاميوها طويلا أمام تاريخ ضارب في القدم لجازان، تاريخ زاخر بالأحداث وتوالي الحضارات، وتنوع الصلات بأجزاء العالم من حولها في كل عصر، المتحف الذي تولى د.فيصل، الاستاذ الجامعي، والباحث الدؤوب والمسؤول عن قطاع الآثار بالمنطقة شرح عناصره وأقسامه، فضلا عن شرح محتوياته وتاريخ كل لوحة وأثر ونقش وحجر في سلاسة وتمكن، المتحف احتوى على لوحات لخرائط توضح المواقع الأثرية بالمنطقة وصور فوتوغرافية قديمة، وأدوات العصر الحجري الأثرية كالفؤوس والمكاشط ورؤوس السهام ونماذج للأواني الفخارية والحلي والعملات القديمة وكذلك لوحات خاصة بالكتابات والخطوط واللغات القديمة.
المتحف يقع في مدينة صبيا على بعد نحو 40 كيلومترا الى الشمال الشرقي من جازان المدينة، وتتكون من قسمين هما صبيا القديمة وصبيا الجديدة التي اختطها محمد بن علي الإدريسي عام 1238هـ وقد ذكرها البكري في كتابه «معجم ما استعجم» وياقوت الحموي في «معجم البلدان» والهمداني في «صفة جزيرة العرب»<، كما ورد ذكرها في احدى قصائد زهير بن ابي سلمى مما يشير الى ان المدينة كانت معروفة في فترة ما قبل الإسلام.
وقت قصير – طويل قضته القافلة في المتحف، اصطحبت معها مرشدها د.فيصل، وانطلقت من جديد بنحو 10 سيارات دفع رباعي عبر الطريق المتجه الى «الريث»، الى وادي لجب، وخلال الطريق بدأت تتضح لنا معالم المغامرة الجديدة، قبل وصولنا للوادي بنحو 30 كيلومترا، دخلنا في صعود وهبوط، جبال شاهقة، وأودية سحيقة، خضرة متدرجة على صخور صنعتها اليد الماهرة، والمبدعة، ورمال شكلت كثبانا متعددة الأحجام، ودواب نلحظها بين الحين والآخر وتمثل منذ زمن وسيلة التنقل الأساسية لأهالي هذه المنطقة، وماعز جبلي تراه يرعى في الشعاب وفي قمم الجبال أيضا وبعد رحلة محفوفة بالترقب وصلنا الى مدخل الوادي، وتبدل الترقب خوفا ورهبة، فرغم عدد أعضاء القافلة ومرافقيهم الكبير، ومركباتهم رباعية الدفع شديدة البأس، إلا أننا أحسسنا أننا نقطة صغيرة وسط كون شاسع هائل لا نملك لأنفسنا أي نفع أو حماية.
ولنترك مرشدنا د.فيصل يحدثنا عن الوادي: انه صدع وانكسار حدث في الجزء الشرقي من جبل القهر، ويرجع تاريخ هذا الصدع الى حدوث الانكسار الافريقي العظيم، وظهرت جبال ناهضة ذات صخور شديدة الصلابة تختلف عما جاورها في التركيب الصخري واللون، ويبلغ طول الصدع بين 11 - 15 كيلومترا، يلتقي بعد 3 كيلومترات تقريبا من دخوله بصدع آخر طوله يزيد على 2 كيلومتر وترتفع حواف الانكسار بشدة ويبدأ الطريق ضيقا، ويستمر ضيقا قرابة الكيلومتر ثم يبدأ في الاتساع تدريجيا، إلا أنه يزيد في أقصى اتساع له عن 30م.
هذا الشرخ ونحن على أبواب الوادي أو الصدع، لم يخفف خوفنا، وتوقفت القافلة وترجلت من مركباتها، هنا لم تعد المركبات قادرة على السير، فالطريق ضيق جدا يحيطه حافتا الجبل بشكل متعامد حتى يكادا يحجبان أي ضوء طوال النهار، فبدأنا التوغل في الطريق على الأحجار والصخور، وعيوننا مشدوهة، مما تراه، ارتفاع هائل لحافتي الجبل حتى تكادا تلامسان السحب، في تكتل صخري شديد التماسك، وينابيع مياه دقيقة جدا تخترق هذا التكتل الصخري، وتشق طريقها فتتجمع في مجرى صغير، يتوسع مع التقاء مياه هذه الينابيع، وياللعجب بعد أمتار يتسع الطريق، وتنفرج حافتا الجبل، وتتدرجان، فتظهر حدائق معلقة، أشجار ونخيل ونباتات في مشهد بديع وسط هذا الصخر «المتلاطم»، حدائق لم تمتد إليها يد إلا يد القدرة الالهية العظيمة التي أبدعت هذا المشهد، ويزينها اتساع مجرى النهر الصغير الآتي من ينابيع الجبل وأمطار هطلت على الجبال المجاورة والممتدة الى مسافات بعيدة.
لا شيء هنا لا يبعث على الدهشة، سألنا د.فيصل: أين أهل هذا الوادي، ولم نكد نسمع الإجابة حتى طالعنا شيخين ذوي لباس غريب، قميص ووزار مزركش، وعلى رأس كل منهما إطار من نباتات عطرية وأوراق شجرة، واقتربت منهما وحاولت محادثة أحدهما، لكنه رفض، بل تأبى على التصوير، وإن كنت نجحت في إقناعه بعد ذلك بالتواصل معنا والحديث ثم التصوير، أحد أبناء «الريف»، أبان عن مهارة كبيرة في تسلق الجبل ووصل الى وسط الحدائق المعلقة التي تتوسط أحد الجبلين الناتجين من الصدع الكبير.
كيف يعيش سكان هذا الوادي، ماذا يأكلون، كيف يتواصلون مع العالم، هل يأتي إلى هنا أحد؟ أسئلة كثيرة أجابنا عنها أحد أبناء الريف، موضحا أن نحو 30 - 40 أسرة مازالت تسكن هذا الوادي وكهوفه، لكنها تعيش في عزلة شبه تامة، وإن كانت هناك جهود مكثفة من قبل الدولة لإعادة تأهيل الوادي ودمج سكانه بالمجتمع.
الوادي مخيف، خصوصا مع بدء غروب الشمس، حيث تحرص دوريات الدفاع المدني على إخلائه تماما من الزوار مع بدايات الغروب، ويقول أحد أبناء الريف إن الوحوش المفترسة مازالت تسكن جزءا من الوادي، وقد شاهدنا قرودا في أعلى الجبل بالفعل.
يواصل د.فيصل حديثه: في العطلات ونهايات الأسبوع لا نكاد نجد موطئ قدم في الوادي الذي يمتلئ بسيارات الزوار المغامرين الذين يحبون تسلق الجبال، والحياة في هذه الأجواء الجميلة والقاسية نوعا ما.
هل هناك خطط محددة لاستغلال الوادي سياحيا؟ يجيب د.فيصل: نعم.. هناك خطط وإن كانت محدودة.
فالوادي بعيد عن المدينة، وعمليات تأهيله صعبة جدا، حيث إن السيول تغمره في أجزاء طويلة من العام وتمحو أي جهود لتطوير أرضيته أو منشآت فيه.
نصف نهار قضته القافلة في هذه المغامرة التي لا تنسى، لكنها مغامرة ممتعة لمحبي المغامرات وسياحة تسلق الجبال والعيش في أجواء أكثر من طبيعية.
استضافة بالأمر
خلال تواجد القافلة في وادي لجب بالمطعم «الوجبة» المتواضع، فوجئنا بقدوم نائب محافظ الريث والوفد المرافق، حيث حرص على تحية اعلاميي القافلة وأبدى أسفه لعدم انتظارهم بالمحافظة معللا ذلك بعدم علمه بتوجه القافلة الى الوادي، وأصر نائب المحافظ على استضافة القافلة «ولو على قهوة وشاي» وبالفعل وبعد انتهاء رحلة الوادي حل الإعلاميون ضيوفا لوقت قصير على مقر المحافظة.
مطالب منطقية
تجمع عدد من أهالي «الريث» ووادي لجب مع الإعلاميين بوجود أعضاء فرع الهيئة العامة للسياحة والآثار في جازان وتلخصت مطالبهم في ضرورة تحسين وضع الطرق في المنطقة وخصوصا الوادي مع انشاء تلفريك يسهل على الراغبين في زيارة الوادي والجبال المحيطة به وتفقد المغارات والكهوف الموجودة في تلك الجبال، الى جانب انشاء نزل وفنادق وتحسين وسائل المواصلات وربط جازان المدينة بالمنطقة عبر سكك حديدية.
وأثنى الأهالي على جهود الهيئة العامة للسياحة والآثار في هذا المجال.