Note: English translation is not 100% accurate
همسات.. بقلم:د.وليد العلي إمام وخطيب المسجد الكبير
2 يوليو 2015
المصدر : الأنباء
إن الظلم عند الله عز وجل يوم القيامة له دواوين ثلاثة: ديوان لا يغفر الله منه شيئا، وهو الشرك به، وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئا، وهو ظلم العباد بعضهم بعضا، فإن الله تعالى يستوفيه كله، وديوان لا يعبأ الله به، وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه عز وجل، فإن هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محوا، فإنه يمحى بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفرة ونحو ذلك، بخلاف ديوان الشرك: فإنه لا يمحى إلا بالتوحيد، وديوان المظالم لا يمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم منها.
ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة عند الله عز وجل: حرم الجنة على أهله، فلا تدخل الجنة نفس مشركة، وإنما يدخلها أهل التوحيد، فإن التوحيد هو مفتاح بابها، فمن لم يكن معه مفتاح: لم يفتح له بابها، وكذلك إن أتى بمفتاح لا أسنان له: لم يمكن الفتح به.
وأسنان هذا المفتاح: هي الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وبر الوالدين، فأي عبد اتخذ في هذه الدار مفتاحا صالحا من التوحيد، وركب فيه أسنانا من الأوامر: جاء يوم القيامة إلى باب الجنة ومعه مفتاحها الذي لا يفتح إلا به، فلم يعقه عن الفتح عائق، اللهم إلا أن تكون له ذنوب وخطايا وأوزار لم يذهب عنه أثرها في هذه الدار بالتوبة والاستغفار: فإنه يحبس عن الجنة حتى يتطهر منها، وإن لم يطهره الموقف وأهواله وشدائده: فلابد من دخول النار ليخرج خبثه فيها ويتطهر من درنه ووسخه، ثم يخرج منها فيدخل الجنة، فإنها دار الطيبين لا يدخلها إلا طيب، قال سبحانه وتعالى: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون).
وأما النار: فإنها دار الخبث في الأقوال والأعمال والمآكل والمشارب، ودار الخبيثين، فالله تعالى يجمع الخبيث بعضه إلى بعض فيركمه كما يركم الشيء المتراكم بعضه على بعض، ثم يجعله في جهنم مع أهله، فليس فيها إلا خبيث.
ولما كان الناس على ثلاث طبقات: طيب لا يشوبه خبث، وخبيث لا طيب فيه، وآخرون فيهم خبث وطيب: كانت دورهم ثلاثة: دار الطيب المحض، ودار الخبث المحض، وهاتان الداران لا تفنيان، ودار لمن معه خبث وطيب، وهي الدار التي تفنى، وهي دار العصاة، فإنه لا يبقى في جهنم من عصاة الموحدين أحد، فإنهم إذا عذبوا بقدر جرائمهم: أخرجوا من النار فأدخلوا الجنة، ولا يبقى إلا دار الطيب المحض ودار الخبث المحض.
فالشرك أعظم ما ظلمت به النفوس، وانتهكت فيه حرمة الملك القدوس، كما أخرج البخاري ومسلم عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لما نزلت: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)».
وكما وجب علينا الحذر من الشرك الأكبر: فيجب علينا الحذر من كل وسيلة وذريعة يتطرق بها إليه وهو الشرك الأصغر، فإنه أخفى من دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء. فالمغبون من أتى يوم القيامة بعمل كثير يظنه مبرورا، فيجعله الله تعالى له هباء منثورا، كما أخرج أحمد في مسنده عن محمود بن لبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم: الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء. يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة: إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟».