Note: English translation is not 100% accurate
تأملات في سورة النحل
لا يستوي عبدٌ لا يملك من أمره شيئاً مع قوي البدن كامل العقل
15 يناير 2016
المصدر : الأنباء
قال تعالى (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ)، يقول تعالى اخبارا عن المشركين الذين عبدوا غيره معه انه هو المنعم المتفضل الخالق الرازق وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون من دونه من الاصنام والانداد والاوثان ما لا يملك لهم رزقا في السماوات والارض شيئا ولا يملكون لانفسهم ذلك ولا يقدرون عليه لو ارادوه (فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) اي لا تجعلوا له اندادا واشباها وامثالا فإنه يعلم ويشهد انه لا إله الا هو وانتم بجهلكم تشركون به غيره، ثم ضرب تعالى امثالا قرآنية لو تأملناها لوجدنا فيها خيرا (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، ضرب الله مثلا رجلين عبد أبكم ليس له من امره شيء لا يملك القدرة ولا التصرف ولا يأتي لسيده بشيء، واما الثاني فقوي عالم (وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا) كملت قوة بدنه بكمال عقله، فهل يستوي المثالان عند الله؟، قال الله مثنيا على نفسه (الحمدُ للهِ) انه محمود بذاته، حمد الله نفسه، فمن الاولى ان يحمده عبده، فالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء مثل الكافر، والمرزوق الرزق الحسن فهو ينفق منه سرا وجهرا هو المؤمن، ثم اخذ الله تعالى من كمال علمه وكمال قدرته فقال (وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، قدم الله لفظ الجلالة ومحلها التأخير ومعناها الاختصاص لله سبحانه وحده غيب السماوات والارض لا اطلاع لأحد على ذلك وانه اذا اراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون، مما يؤكد كمال الالوهية والقدرة له وحده سبحانه.
ثم اشار الى ملمح من ملامح قدرته، فقال (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، ثم ذكر تعالى منّته على عباده في اخراجه اياهم من بطون امهاتهم لا يعلمون شيئا ثم بعد هذا يرزقهم السمع والابصار والافئدة وجعل هذه في الانسان ليتمكن بها من عبادة ربه تعالى فيستعين بكل جارحة وعضو وقوة على طاعة مولاه.
ثم نبه تعالى عباده الى النظر الى الطير المسخر بين السماء والارض كيف جعله يطير بجناحين في السماء والارض ما يمسكه الا قدرته تعالى (أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللّهُ) بقدرته تعالى، (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) يذكر الله نعمه على عباده بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم يأوون اليها ويستترون بها وينتفعون بها بسائر وجوه الانتفاع، وجعل لهم ايضا من جلود الانعام بيوتا يستخفون حملها في اسفارهم ليضربوها لهم في اقامتهم في السفر والحضر (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) هذه السورة تسمى سورة النعم، فمن بعض نعمه تعالى ان جعل لكم من الجبال حصونا ومعاقل كما جعل لكم ثيابا تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كالدروع من الحديد المصفح والزرد وغير ذلك، وهكذا جعل لكم ما تستعينون به على امركم وما تحتاجون اليه ليكون عونا لكم على طاعته وعبادته (لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) لعلكم تنقادون الى اوامر الله، (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ) اي بعد هذا البيان وهذا الامتنان فلا عليك منهم الا البلاغ المبين، ثم بين الله عز وجل علة كفر هؤلاء، فقال (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ)، أي يعرفون أن الله تعالى هو المسدي إليهم ذلك وهو المتفضّل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك ويعبدون معه غيره ويسندون النصر والرزق إلى غيره وأكثرهم الكافرون. تحدثنا كتب التفسير ان اعرابيا اتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا)، فقال الاعرابي: نعم، قال (وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ)، فقال الاعرابي: نعم، ثم قرأ عليه كل ذلك، يقول الاعرابي: نعم، حتى بلغ (كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ)، فولى الاعرابي، فأنزل الله (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ). (عمدة التفاسير)