مقامات الادب مع الله سبحانه كثيرة جدا، ومنها مقام المراقبة: بدوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق - سبحانه وتعالى - على ظاهره وباطنه.
فالعبد يخلو احيانا بما لا يراه احد، فينبغي ان يحقق مقام المراقبة مع الله سبحانه دائما، فلا يجترح السيئات، ولا ينتهك الحرمات، فيستشعر ان الله مطلع عليه ومراقب له.
قال تعالى: (وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير.. الحديد:4).
وقال سبحانه: (وكان الله على كل شيء رقيبا.. الاحزاب: 52).
وقال تعالى: (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور.. هود: 5).
قال العلامة محمد الامين الشنقيطي - رحمه الله تعالى: «يبين تعالى في هذه الآية الكريمة انه لا يخفى عليه شيء، وان السر كالعلانية عنده، فهو عالم بما تنطوي عليه الضمائر، وما يعلن وما يسر، والآيات المبينة لهذا كثيرة جدا»، كقوله: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد.. ق:16).
وقوله سبحانه: (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه.. البقرة: 235)
واعلم ان الله - تبارك وتعالى - ما انزل من السماء الى الارض واعظا اكبر، ولا زاجرا اعظم مما تضمنته هذه الآيات الكريمة وامثالها في القرآن، من انه عالم بكل ما يعمله خلقه، رقيب عليهم، ليس بغائب عما يفعلون، وضرب العلماء لهذا الواعظ الاكبر والزاجر الاعظم مثلا ليصير به كالمحسوس، فقالوا: لو فرضنا ان ملكا قتالا للرجال، سفاكا للدماء، شديد البطش والنكال على من انتهك حرمته ظلما، وسيافه قائم على رأسه، والنطع مبسوط للقتل، والسيف يقطر دما، وحول هذا الملك الذي هذه صفته جواريه وأزواجه وبناته، فهل ترى ان احدا من الحاضرين يهم بريبة او بحرام يناله من بنات ذلك الملك وأزواجه، وهو ينظر اليه، عالم بأنه مطلع عليه؟! لا، وكلا، بل جميع الحاضرين يكونون خائفين، وجلة قلوبهم، خاشعة عيونهم، ساكنة جوارحهم، خوفا من بطش ذلك الملك.
ولا شك - ولله المثل الاعلى - أن رب السموات والارض - جل وعلا - اشد علما، واعظم مراقبة، واشد بطشا. واعظم نكالا وعقوبة من ذلك الملك، وحماه في ارضه محارمه، فاذا لاحظ الانسان الضعيف ان ربه - جل وعلا - ليس بغائب عنه، وانه مطلع على كل ما يقول وما يفعل وما ينوي لان قلبه، وخشي الله تعالى، وأحسن عمله لله جل وعلا.