خلق الحلم صمام من صمامات وموانع اتساع المشاكل والمنازعات، وهو خلق لا يحوزه الا القلائل من أصحاب العزائم الايمانية العالية لما يتطلبه من كبت لغرائز النفس وكظم للعواطف الجياشة وتهدئة للدم الفائر، ولذا يقول الله تبارك وتعالى مبينا صعوبة الحلم والرفق (والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) ويقول عز وجل (ولمن صبر وغفر ان ذلك لمن عزم الأمور) وبقدر ما يكون الحلم والرفق صعبا على النفس بقدر ما يكون أجر هذا الحليم عظيما وحظه عند الله عظيم، يقول الله تبارك وتعالى (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم» وانظر من خلال الآية الى الأجر العظيم الذي يتركه الحلم والرفعة انه يغير العداوة الى مودة حميمة، وصفاء للقلوب بعد كدر، ولذا كان هذا من الخلق الذي يحبه الله تعالى ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبدالقيس: «ان فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ان الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» ويبين النبي صلى الله عليه وسلم ان الله يعطي على الحلم والرفق الأجر، وعطاء الله جزيل فيقول: «ان الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه» ويقول النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة جامعة «ان الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» ويقول ايضا مبينا «ان من حرم الرفق حرم خيرا كثيرا ودخله النقص في أخلاقه ومن يحرم الرفق يحرم الخير كله».
وقد جعل الله تبارك وتعالى الصفح والعفو عن الجاهلي سببا في تحقيق محبة الله تبارك وتعالى وغفرانه لذنوب عباده فيقول عز من قائل (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم) وقال تعالى (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) ولذا كان الحلم صفة من صفات النبي صلى الله عليه وسلم. تقول عائشة رضي الله عنها «ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده، ولا امرأة ولا خادما، الا ان يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، الا ان ينتهك شيء من محارم الله تعالى، فينتقم لله تعالى».