في أدبنا الشعبي أصبحت المنابر الشعرية تكرس لمفهوم الشعر كظاهرة صوتية بعيدا عن جماليات النص، لتمارس دورها في تسطيح الذائقة ونشر الخواء الفكري لدى المتلقي، ولعل الأخير أصبح أكثر تحليقا من المنابر نفسها عندما يشعر بما يحدث حوله من ضجيج وتسابق في طبقات حناجر السادة الشعراء ويبدي تذمره حيال مثل هذه الظواهر ليهمس قائلا: «الشعراء أصبحوا كأنهم متسابقون في برنامج سوبر ستار»، والمؤلم أن لا يدرك الشاعر هذه الحقيقة ليصدح بصوته كلما شعر أن حنجرته تساعده على الانطلاق عاليا حتى لو لم تكن في كامل عافيتها، متناسيا أن زمن المتلقي الفاغر أو المشدوه انتهى منذ أن أصبح هو من يتحكم بمصير البيارق والسيوف والألقاب ويهبها لمن يشاء ويعطي لنفسه مساحة أكثر تأثيرا من ذي قبل على مصير الشعر والشعراء.
الشعر يجب أن يقدم بمنأى عن هذا كله، ويصل لمساحات أوسع من التفكير الإيجابي تجاه المجتمع لاستشعار قيمته الحقيقية، فالشاعر يملك سلطة قوية يجب أن يمارسها عنوة على المتلقي، فلو افترضنا أن هذه الرغبة لدى الشاعر تأتي بدافع كسب الجمهور والنزول لرغبتهم، لاكتشفنا حجم الخطأ الذي يقع فيه الشاعر عندما يزيح حالته الشعورية لدى كتابة النص وهروبه لواقع جديد يعتمد على الحركة والصوت فقط دون تقمص الحالة الأولى التي متى ما غابت عن النص المنبري أفقدته قيمته وجماليته وروحه وأصبح نصا صوتيا خاليا من الشعر ومجردا من أبسط أدوات الجذب عدا الصوت..
لست هنا ضد ما يسمى بالـ «شيلات» أو الـ «شلات» حسب معايير لا تنتمي للغة طبعا، لكن النص عندما يظهر للمرة الأولى يجب أن يكون مجردا من كل شيء ويحضر في أبهى صورة دون أي شوائب قد تقلل من قيمته وتفقده روحه، على أن يتم التعامل معه مستقبلا كالنصوص المغناة.
كل ما أخشاه هو أن يصل الشعراء إلى حقيقة تقودهم إلى أهمية الصوت على حساب تلبس حالة النص الأولي الأمر الذي سيخلق فجوة كبيرة في الشعر لا يسدها إلا صحوة أصحاب المنابر نفسها واستشعارهم لمسؤوليتهم تجاه الشعر.
ولنا في تجربة نايف صقر الطويلة في الساحة، خير دليل على مدى تعلق الشاعر بنصه واحترامه للشعر، حيث لم يسبق له أن ظهر متشنجا على أي المنابر أو حاول التصنع بالأداء الحركي غير المبرر.
بقي أن أشير إلى أن دعاة الشعر المنبري وضرورة التفاعل مع النص من محكمين ومسؤولي برامج هم في الحقيقة يسيرون عكس الاتجاه الصحيح، ويبحثون عن أجزاء ظاهرية من شأنها التأثير على المتلقي بدافع البحث عن المادة أو ما شابه ذلك، لأن كل حريص على الشعر ومهتم به فقط دون الالتفات إلى جوانب أخرى سيلقي حتما بمسمى الإلقاء الضعيف خلف ظهره ويسمع صوت الشعر فقط، وإن لم ينجح الشاعر في إيصال مشاعره لمن يسمعه فهو بالتأكيد لديه خلل نفسي يذهب به إلى أبعاد أخرى خارج إطار الشعر، أما أن يحاول البعض إقناعنا أن النص غير المكتوب لابد أن يرافقه إشارات بالحركات أو ألحان صوتية فهذا يجب أن ينتهي إلى حد معين، فالشاعر إنسان لديه طقوسه الخاصة في التعاطي مع نصه بالطريقة التي يريد بشرط أن تكون بعيدة كل البعد عن التصنع والوقوع تحت تأثير «الجمهور أو الحكم عاوز كذا»..
نزف حتى إشعار آخر
لـ (فيصل الرياحي) - رحمه الله -
أحبابي أكثر من شعر رأسي وحسادي بعد
... فسر تعابير الوجيه وتكشف أسرار الصدور
حماد الحربي
[email protected]