Note: English translation is not 100% accurate
شعراء الكيبورد ماذا يريدون؟
7 نوفمبر 2008
المصدر : الأنباء
أثقلتنا «قصيدة كيبوردية» والتي نراها مكتوبة في كل منتدى من منتديات الشبكة العنكبوتية. كلما أمر على هذه التسمية أتجاوز النص، لأن صاحبه غير جاد فيما يقول، وغير متحمس لما يكتب. إذا لم تكن هناك علاقة حميمية بين المرء والقلم، ولم يشم الشاعر أو الكاتب رائحة الورق الذي يكتب عليه، ولم تتكحل عيونه برؤية السطور البيضاء وهي تكتسي باللون الأزرق، فلن يكون المرء كاتبا مميزا أو شاعرا يقدم قصائد ذات قيمة أدبية، لأن في عملية الشطب لبعض ما نقول، نكهة قد لا نشعر بها في ساعتها، ففي الشطب روح مزهقة وعوالم هدمت بعد إشادتها على الورق بالحبر والأنامل. عندما نعود لقراءة ما شطبناه، ندرك أي ذنب اقترفناه وأي ظلم جنيناه على أنفسنا وعلى نتاجنا، وقد يعود المرء للتفكير فيما شطب، أو يكون الشيء المشطوب محفزا للكتابة مرة أخرى، ولو بطريقة مختلفة كالانتقال من الشعر إلى النثر، أو من كتابة المقال إلى إبداع قصيدة.
الكتابة طقس روحاني وملكوت سماوي لا يمكن تصوره أو تخيله أو وصفه... ويكفينا أن نقول عنها، انها لا يمكن وصفها، فعلى الرغم من فضفاضية هذه الكلمة وبساطتها، إلا أنها خير دليل على مدى الحيرة التي يشعر بها الإنسان في إمكانية وصف هذه الحالة.
الكتابة تمرين، ومران، ورياضة. تمرين للنفس على الصبر، ومران للفكر على البحث والتنقيب، ورياضة وقتية لابد من ممارستها، وتعويد النفس عليها، وترويض الفكر لها، وبذل الطاقات من أجل خدمتها، والتفاني في سبيل المحافظة عليها وتطويرها.
الكتابة النثرية ليست وحيا شعريا ننتظر هطوله من ملكوت اللاوعي، حتى نستطيع الكتابة، إنها سلوك لابد أن نعود أنفسنا على فعله، على الأقل ساعة أو ساعتين في اليوم أو بعض الأيام في الأسبوع الواحد، إذا أردنا أن يحترمنا الآخرون ويقدرون لنا نتاجنا الذي نكتب. حجة الانشغال أو الشعور بالملل أو الإحساس بالفراغ من اللاشيء أو الشعور باللاشيء في زمن الفراغ، وصعوبة تنظيم الوقت أو تحديد الأولويات، ما هي إلا اكذوبة نضحك بها على أنفسنا، لا يمكن أن يكون هناك انشغال وفوضى، إن كان لدينا استعداد للتنظيم والتصميم على العمل، فالتنظيم غذاء الإرادة والعمل روح الحياة.
الكتابة طريق كلما مشينا عليه تمدد، وهواء نقي كلما تنفسناه تجدد. الكتابة سفر بالذاكرة إلى ما وراء الذاكرة، ورحلة إلى اللاوعي بطريقة واعية.
الكتابة ليست مجرد الإمساك بالقلم أو العمل على ملء المساحات البيضاء باللون الأزرق، وإن كان ذلك على حساب المضمون والفكرة. إنها علاقة حميمية مع الذات، وسفر بها على بساط الريح إلى عوالم سندبادية بطرق شتى كالشعر والخاطرة والمقال، وكل ما عداها من أجناس الكتابة الأدبية الأخرى.إن هذا الهاجس يمر بنا مع الكتابة النثرية التي تعتمد على تسلسل الأفكار أو تعدد النقاط، والنقاش التفصيلي للأشياء، والذي يتطلب منا رياضة ومرانا وتمرينا، كما أوضحنا سابقا. فكيف يكون الحال مع الشعر الذي لا يزورنا متى أردنا، ولا يأتينا متى نشاء، وإنما يزور في الوقت الذي يريد، ويأتي متى يشاء، وفي الوقت الذي يشاء، دون تحديد موعد او إنذار مسبق، ليطالبنا بالكتابة له ما يشاء دون تصرف أو تحكم منا، ثم يغادرنا ويمضي إلى حال سبيله، ليتركنا في دوامة بعده، ندور فيها كالطاحونة الهوائية محاولين تنظيم ذلك الركام البنائي الذي أشيد على الورق في التحدي الأزلي مع الصنعة الأدبية التي من خلالها نستطيع الفصل بين الشعراء، ونميز بين قدراتهم الفنية وطاقاتهم الإبداعية، بعد أن يمضي ذلك الهاجس إلى عالم المجهول الذي جاء منه.
نعم، بعد الانتهاء من هذا الهطول الشعري، وبعد ان يضع كل شيء أوزاره يأتي دور الصناعة والمهارة والقدرة على منح هذا النص أو ذاك الحياة والحركة، بعدها يبدأ دور القدرة والتفوق، يأتي هذا الدور الذي نستطيع التفريق فيه بين الشاعر المبدع والشاعر العادي البسيط، بين الشاعر القادر على التفوق الإبداعي، وبين الشاعر الذي يدور في حلقات مفرغة حول نفسه دون أن يتعداها قيد أنملة.
يســر البــث المباشر وكذلك الإنترنت علينا الحصول على المعلومة الجاهزة والخبر السريع، لكنهما لم ولن يصنعا منا مثقفين ما لم ندفن وجوهنا بين صفحات الكتب، ونلق برحالنا بين دفتي كتاب نستريح فيه من عناء الطريق، وكذلك الكيبورد سهل لنا الطباعة، ومنحنا مهارة الكتابة السريعة والتواصل مع الآخرين البعيدين عنا،، غير أن الورق والقلم لا يمكن مقاومة سحرهما الفاتن، بهما يمكننا الشطب والتعديل، أما المسح على الكيبورد، يقضي على مشاعرنا وأفكارنا التي سكبناها على شاشة الجهاز. الكتابة على الكيبورد انتحار للشعر وقتل للشاعرية، وأجمل ما في الكتابة بالقلم والورقة، هي الانتقال من حالة إلى حالة، من الجلوس على المقعد إلى التربع على الأرض، أو الاستلقاء فوق السرير أو افتراش الأرض تسلقيا وانبطاحا، أو التقلب على الموكيت أو السجاد المبسوط على الأرض، أو التجوال بين أسياب المنزل ودخول أكثر من غرفة والخروج منها دون سبب، لاقتناص لحظة عابرة في نسيج الزمن أو اصطياد فكرة أو مشهد مر عبر شريط الذاكرة، وهذه الأجواء الاحتفالية الكتابية لا يمكن توفرها، عندما يتجمد المرء كالآلة البخارية أمام شاشة الكمبيوتر.
محمد مهاوش الظفيري
صفحة الواحة في ملف ( PDF )